أطل علينا الحج محمود قماطي، راعي وداعم التمديد السبعيني العلوي، يهدد ويتوعد مخالفيه بالإعدام مسترجعًا الحرب العالمية الثانية مع حكومة فيشي، ومتوعدًا الحكومة اللبنانية بمصير حكومة فيشي متوهمًا نفسه شارل ديغول، مرتكبا ما ارتكب من جنايات موصوفة في القانون اللبناني، فأعادني إلى العام 1942 حين وقع الرايخ الثالث مع الإمبراطورية اليابانية اتفاقا سريا تقاسما فيه العالم ما بين خطي الطول 70 و180، وافترضا أن العالم سيخضع لهاتين القوتين بعد انتصارهما. لم تحسب القوتان العظميان في تلك الحقبة حسابا لعبقرية وعناد شخص واحد: "ونستون تشرشل" الذي لم يكتف بانتصاره في الحرب العالمية الثانية، بل تجاوز ذلك إلى هندسة الخريطة السياسية في العالم ما بعد الحرب، وأشعل فتيل الحرب الباردة فيما كانت مقذوفات المدافع ما تزال تنهمر على برلين.
اليوم بعد انقضاء الحرب الباردة، وسقوط مفاهيم ما بعد الحرب وما بعد فوكوياما ونهاية التاريخ، تعيد القوى الاقتصادية العظمى رسم خريطة العالم لمرحلة جديدة يكون فيها الخط السبعين هو الحدود ما بين Pax Silica وPax Sinica. أسفرت الحرب العالمية الرابعة بالتجزئة والتي انقضت في 27 تشرين الثاني 2024 إلى واقع عالمي جديد تحكمه العملاتية والواقعية النفعية الفظة دون أي اعتبار للقيم أو القيود العقائدية، فيبقى من يبقى طالما كان وجوده نافعًا للمشروع، وعندما تنتفي جدواه ينتفي وجوده: ولا عائق دون لعب الدور حتى لو كانت اشداقك تسيل دما عبيطًا، وما تزال جثث ضحايا ارهابك منتشرة على الأرض، فيكفي لتغطية كل ذلك رذاذ من قارورة عطر ترمبي طالما أن الدم الذي سفكته وتسفكه ليس أميركيا.
ما هو الخط السبعين؟
خط الطول سبعين هو الخط الذي تقع عليه دول آسيا الوسطى والهند، وشرق إيران وأذربيجان ويمتد أثره إلى إقليم أرتساخ (ناغورني كاراباخ)، وأفغانستان وباكستان، على هذا الخط يقع في قلب أوراسيا، ويشكل العمود الفقري للعالم، فهنا على هذا الخط تجد كافة عناصر جدول مندلييف Tableau de Mendeleev (أي كافة معادن ومكونات الكيمياء في العالم)، وعلى هذا الخط تجد تنافس طريق الحرير مع ممر زنجيزور، وهنا تحديدا تعظم آمال الدولة الطورانية الكبرى، وهنا روح الإمبراطورية الروسية وعمقها الاستراتيجي، حتى القارة الأوقيانية تدخل إلى هذا الخط عبر القارة القطبية الجنوبية وادعاء استراليا سيادة هناك، وربما لو حفرنا بعمق كاف لوجدنا يأجوج ومأجوج مدفونين تحت سد قديم على هذا الخط، فخط الطول سبعين هو الحدود القادمة.
وكما اتفق الألمان واليابانيون على هذا الخط كحدود فاصلة بين نفوذهما، تكشف الأحداث والغزل الترمبي للصين عن تفاهم قائم بين القوتين العظميين اللتان تتسابقان على تقنيات الـ 3 نانومتر، فيما تخلفت روسيا في السباق التكنولوجي وتحولت من متسابق على سيادة العالم إلى مورد مواد أولية خام، وصناعات عسكرية من النسق الثالث.
أثبتت حرب أيلول 2024 تخلف التكنولوجيا العسكرية الروسية، وسقط عند تقنيات 3 نانونميتر والذكاء الاصطناعي العسكري كل ما عرفناه من مفاهيم، وتحولت الآلة العسكرية السابقة لــ19 تشرين الثاني 2024 إلى خردة ما اجبر بوتين أن يخرج جوهرة التاج في ترسانته ويختبر الاورشينيك على أوكرانيا في رسالة يوم القيامة إلى الغرب، غير أن لهذا الأسلوب الشمشوني حدود في الاستخدام وتكون فاعليته الوظيفية مرحلية تنقضي بانقضاء النفوذ الاستراتيجي. فمع حلول 08/12/2024 ظهر للعيان تقهقر الدور الروسي العالمي ومع حرب رمضان 2026 سقطت كل هندسات تشرشل التي سادت العالم من بعد مؤتمر يالطا.
في السنوات العشرين المنصرمة، والتي شهدت حقبة ما بعد سقوط بغداد، عرف العالم أندية دولية مثل G7 و G20، في مساع لتكوين عالم متعدد القطبية، حيث كان ال Free Riders يملون على السائق وجهة الانتقال، وكانت دول مثل كندا وفرنسا وتركيا تحسب أنه بإمكانها خط سياسة العالم بناء على قوتها المحدودة، وفي هذا السياق توهم جماعة ولي الفقيه أنهم يأخذون العالم رهينة في مضيق هرمز فيستطيعون أن يخضعوا العالم لمشيئتهم، لكن خطاب رئيس حكومة كندا في منتدى دافوس الاقتصادي جاء ليعلن، عكسيا، نهاية حقبة يمكن فيها للقوى المتوسطة والضحلة فرض إرادتها على الساحة الدولية: فهذا العالم الجديد لا يعرف مكانا إلا للأقوياء، وعليه فإن ال G20 أصبحت قطار الــG2، وتفاهما واحدا بين قوتين على حدود نفوذ تقع على الخط الطول سبعين سيفرض على العالم الانصياع لهذه المشيئة.
توجب الواقعية السياسية قراءة المستقبل كما هو وليس كما نتمنى، والمستقبل مؤسس على تقاسم نفوذ بين قوتين اقتصاديتين كبريين تتحكمان بمسارات التاريخ والسياسة، وحتى الولايات المتحدة والصين تخضعان لتفاهمات هاتين القوتين: العقار والسيولة، وما بين هاتين القوتين يقبع أبناء سبط لاوي ليشكلوا برغي الارتباط بين أسنان دولاب الزمن والاقتصاد. فما بين الكنيسة الكاثوليكية (العقار) التي تؤمن منهجيا بخضوع السياسة للدين، والكنيسة الأنغليكانية (السوق المالي) التي تخضع الدين للسياسة، كان روتشيلد المتحدر من سبط لاوي يعمل محاسبا لدى الاثنين. في القرن العشرين أنشأت الكنيسة الأنغليكانية الإسلام السياسي، ودعمت ومولت الإخوان المسلمين، ودعمت بعد ذلك الثورة الإسلامية في إيران، فكانت الــ BBC الفارسية أداة في يد الخميني لتقويض سلطان الشاه ونهجه القومي. غير أن زيارة ترمب إلى لندن، وسيره أمام الملك تشارلز، تضمنت رسائل واضحة لمن يريد أن يقرأ، والصلاة من أجل الحرب التي أقيمت في المكتب البيضاوي على يد البروتسنات ومناهضتها من قبل الفاتيكان كان رسالة واضحة وحاسمة إلى انتقال المرجعية البروتستانتية مرة وإلى الأبد من لندن الى نيويورك، ولم تعد الـCity Of London هي "المدينة" بل أصبحت نيو يورك وأسواقها هي الأصل، ولم يعد ال Golden Circle هو الذي يتحكم بالأسواق وانما وول ستريت بشكل تام ونهائي.
من لم يستمع إلى ترمب يوم 17/03/2026 وهو يهاجم الـBBC ويعلن نهاية حلف الـNATO، ومن لم يع ما قاله ترمب يوم 16/03/2026 عن ضحالة تأثير مضيق هرمز على سوق الطاقة الأميركي لن يستطيع أن يفهم أين يتجه العالم.
قبل أن يخوض ترمب حرب رمضان أمن سوق الطاقة عبر موارد الطاقة الفنيزولية، وما بين مضيق بانما ومضيق ملقا (Malacca)، تكمن الشرايين الحيوية للعملاقين الأميركي والصيني وعبرهما تتدفق موارد الطاقة، وتجعل من الصراع الاحفوري في الشرق الأوسط نافلا بالنسبة إلى هاتين القوتين، فيأتي الخط سبعين ليضمن ما هو أهم: المعادن النادرة، فيتقاسم العملاقان هذه المعادن وموارد رقائق السليكون لضمان التطور التكنولوجي فيما يخضعان لإرادتهما القوى المتخلفة تكنولوجيا عنهما.
في هذا الإطار يمكن استقراء موقف 10 Downing Street الذي لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية يقرر أن يبتعد عن حروب الولايات المتحدة الأميركية، فالجيش البريطاني الذي قاتل في الخليج في العام 2003 نأى بنفسه عن حرب العام 2026 ليس لعدم مشروعية الحرب أو لتشككه بجدواها، وليس لأن مصالحه لم تتضرر من الصواريخ الإيرانية، بل لأن هذه الحرب تستهدف النموذج الفكري التي تأسست عليه الكنيسة الأنغليكانية منذ هنري الثامن. اللافت أن المواقف التي ساقها ترمب ضد الــ BBC والاعلان عن وفاة الــNATO تمت بحضور رئيس وزراء إيرلندا (الكاثوليكي) في يوم عيد القديس باتريك، ناهيك عن الرمزية التاريخية للعلاقات المضطربة بين المملكة المتحدة وايرلندا بالرغم من أن العلاقات بين المملكة المتحدة وايرلندا حاليا ممتازة، وأن )التاويستش(، مايكل مارتن((Micheál Martin دافع عن ستارمر وعن الناتو في حضرة ترمب.
في هذا السياق العام، وإعادة ترتيب العالم، وفيما تُمسخ القوى الاستعمارية على الارائك خداما وأعوانا، وفيما تعاد صياغة القيم حتى لو اضطر العسكري الأميركي تطبيق عقيدة الــBroken Arrow، على نمطية قصف سان لو في عملية كوبرا في فرنسا، ففي هذه المعركة قصف الأميركيون قصفا سجاديا قضى بنيران صديقة على جنود أميركيين بما فيهم الجنرال برادلي لكسر الجمود على جبهة النورماندي والاستفادة من شباك الــ48 ساعة لحسم الحرب. فإن ظنّ الحج أنه يستطيع بتهديد كاريكاتوري أن يمنع المحتوم، وإذا كان جنرالات الاخمينية الخامنئية يحسبون أنهم بقصف برج العرب في دبي سيوقفون قطار الـG2 القادم، فعليهم أن يعيدوا حساباتهم.
أما نحن في لبنان فما يهمنا أن لا نكون تحت عجلات القطار، وأن نكون خارج الاصطفاف الإقليمي المرحلي، وأن نحجز مكاننا في إحدى مقصورات هذا القطار، لبنان يمكن أن يؤدي دورا مفصليا في مشروع الخط السبعين، وأن يكون واحة تنوع وأن يستفيد من المخزون الثقافي التاريخي الذي يمكنه لعب دور الوسيط بين المعسكرين، كذلك على العلوي في الساحل الشرقي للمتوسط، أن يستعين بانفتاحه العقائدي وقدرته على إيجاد القواسم المشتركة بين كافة المعتقدات الدينية وأن يصل إلى المرموز التوحيدي عبر رموز المعمورة قاطبة، على هذا العلوي أن يخرج من الاصطفاف العاطفي الذي فرض عليه خلال المئة عام المنصرمة، وأن يتذكر أن أحدا لم ينبس ببنت شفة عندما قُتِل ونُكِّل به وسبيت نساؤه وسيم الخسف وُمنع النصف، فلا يجوز الآن أن يصطف العلوي مع من صمت على قتله، وألا يكون العلوي أكياس رمل يستفيد منها الإسلام السياسي ليحسن مواقفه التفاوضية. إن أي علوي يتأهب لمساندة الحج ولو بكلمة عليه أن يتذكر مواقف الحج والشيخ نعيم يوم 7 آذار، وكيف سعوا لأفضل العلاقات مع قاتل أهلنا، وعليه أن يتذكر كيف يسعى الحج، يوميا ودون هوادة، لبسط سلطانه على قرار الطائفة، وقبل أن يغفر للحج ومكتبه السياسي بدعوة المقاومة الزائفة، على العلوي أن يتذكر ما قاله بدوي الجبل نجل العلامة الشيخ سليمان أحمد (قد) في قصيدته:
تغضي على الذلّ غفرانا لظالمها
تأنّق الذلّ حتّى صار غفرانا
نجابه الظلم سكران الظّبى أشرا
و لا سلاح لنا إلا سجايانا