الطائرات المسيّرة زهيدة الثمن تعيد تشكيل الحرب في السماء

7 دقائق للقراءة المصدر: رويترز

نشرت وكالة رويترز تقريرًا بالغة الانجليزية استهلته بالسؤال الآتي:

كيف تخوض الولايات المتحدة حربًا من دون إرسال قوات برية إلى إيران، والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة تجعل الأمر أكثر صعوبة؟

وجاء في التقرير:

لعقود طويلة، كان التفوق الجوي حكرًا على الدول الغنية القادرة على اقتناء طائرات متطوّرة وتوفير التدريب اللازم لقيادتها. بدأت طائرات الهجوم المسيّرة الرخيصة في تقويض هذه الميزة، مانحةً القوات الأصغر والأقل ثراءً قدرةً أكبر على إلحاق الضرر. في المقابل، لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على ميزانيتها العسكرية الضخمة لتوفير بعض أغلى الطائرات في العالم.

في أعالي السحب، أرسلت الولايات المتحدة نحو 200 طائرة مقاتلة في مهام هجومية. وللمرة الأولى، يتم استخدام طائرة F-35 بشكل واسع في القتال من قبل القوات الأميركية، بعد مشاكل في التكلفة والتأخير.




تُعد قاذفات B-2 طائرات شبحية بعيدة المدى قادرة على حمل ما يصل إلى 40 ألف رطل من القنابل الموجهة بدقة.








بعض الطائرات الأكبر تُستخدم للتزويد بالوقود أو للمراقبة. ومن بينها أيضًا القاذفة B-1، الملقبة بـ"بون"، والتي يمكنها حمل ما يصل إلى 75 ألف رطل من الذخائر المتنوعة ومعدات المهام، إضافة إلى 24 صاروخ كروز.








ومن بين المركبات الأميركية غير المأهولة طائرات "ريبر" التي يتم تشغيلها بواسطة طيار من محطة أرضية. كما يُستخدم لأول مرة نظام FLM-136 LUCAS، وهي طائرة مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه، تشبه إلى حد كبير طائرات "شاهد" الإيرانية.





الطائرة الإيرانية "شاهد-136"

هي طائرة هجومية أحادية الاتجاه تطير نحو الهدف وتنفجر عند الاصطدام.

أمضت إيران سنوات في تصنيع وتزويد حلفائها بالطائرات المسيّرة، وهي الآن تنشرها على نطاق واسع بنفسها. ومنذ أن هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في 28 شباط، أطلقت طهران مئات الصواريخ وأكثر من 1000 طائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل ودول الخليج. ويعتمد هذا النهج على الكثافة العددية بدلًا من الدقة، حيث يتم إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات في وقت واحد لإغراق أنظمة الدفاع الجوي.

بالمقارنة، فإن تكلفة إنتاج هذه الطائرات منخفضة. إذ تتراوح تكلفة طائرة "شاهد" الواحدة بين 20 ألف و50 ألف دولار، وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

ولتوضيح كيفية تغيّر عتبة السيطرة على المجال الجوي العسكري، حسبت وكالة "رويترز" عدد الطائرات التي يمكن تصنيعها بالأموال المستخدمة لاعتراض صاروخ واحد من نظام "باتريوت".

فإن تكلفة صاروخ اعتراض واحد من "باتريوت" تبلغ 4 ملايين دولار، وهو ما يمكن أن يموّل تصنيع نحو 115 طائرة مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه، تبلغ تكلفة الواحدة منها حوالي 35 ألف دولار.

وخلال الأسبوع الأول فقط من النزاع، أطلقت إيران أكثر من 1000 طائرة مسيّرة، ويُقدّر أنها قادرة على إنتاج نحو 10 آلاف طائرة شهريًا.

لقد تطورت تكنولوجيا الحرب بسرعة في السنوات الأخيرة، وهو تحوّل تجلّى بوضوح في حرب أوكرانيا ضد روسيا. فما بدأ كصراع تهيمن عليه الدبابات والمدفعية، أصبح بشكل متزايد حرب طائرات مسيّرة. ومع تفوق روسيا في الدروع والطائرات التقليدية، لجأت أوكرانيا إلى أنظمة غير مأهولة منخفضة التكلفة للاستطلاع والهجوم. وتشير التقديرات إلى أن الطائرات المسيّرة مسؤولة عن نحو 70% من خسائر روسيا، مما يسمح بتنفيذ الضربات عن بُعد وتقليل المخاطر على الطيارين وأطقم الطائرات.

تعتمد أقوى الطائرات الأميركية على أطقم مدربة تدريبًا عاليًا. فعلى سبيل المثال، تحتاج طائرة F-15 ذات المقعدين إلى طيارين يخضعون لسنوات من التدريب المكلف. وإذا سقطت إحدى هذه الطائرات، فإن الولايات المتحدة لا تخسر الطائرة فحسب، بل ربما الطاقم الذي على متنها أيضًا.

في المقابل، يتم التحكم بالطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة عن بُعد. وإذا تم تدميرها، لا يُقتل المشغل، كما أن تكلفة استبدالها قد لا تتجاوز عشرات الآلاف من الدولارات.

وقد أصبح هذا الاختلال مشكلة استراتيجية. إذ أصبحت كلفة الهجوم منخفضة، بينما ارتفعت كلفة الدفاع بشكل هائل، حيث تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها أحيانًا إلى إطلاق صواريخ اعتراضية بملايين الدولارات لإسقاط طائرات مسيّرة تُصنع من مكونات تجارية وبكلفة زهيدة.





ارتفاع تكلفة صواريخ الاعتراض

يمكن أن تتجاوز تكلفة نظام بطارية كامل من أنظمة THAAD أو "باتريوت" مليار دولار، في حين تتراوح تكلفة وحدة الصاروخ الاعتراضي بالملايين.

وقال بيل لابلانت، كبير مشتري الأسلحة في البنتاغون، أمام لجنة فرعية في مجلس الشيوخ في أيار 2024: "إذا كنا نسقط طائرة مسيّرة بقيمة 50 ألف دولار بصاروخ قيمته 3 ملايين دولار، فهذه معادلة تكلفة غير جيدة"، محذرًا من أن اقتصاديات الدفاع الجوي أصبحت غير مستدامة.

ويظهر هذا الاختلال بالفعل في البحر. فمنذ أواخر عام 2023، أنفقت البحرية الأميركية نحو مليار دولار أو أكثر من الذخائر للدفاع عن السفن في البحر الأحمر ضد طائرات وصواريخ منخفضة التكلفة أطلقها الحوثيون، وفقًا لمسؤولين أميركيين ومحللي دفاع.

ولا تمثل تكلفة الصاروخ سوى جزء من الكلفة الإجمالية. فكل عملية اعتراض تعتمد أيضًا على وجود سفن حربية ومرافقتها، والوقود والصيانة، وأطقم مدربة، وأصول استخبارات ومراقبة، وشبكات قيادة وسيطرة ضرورية لاكتشاف التهديدات والتصدي لها.

أول استخدام لطائرة "لوكاس" يُظهر محاولة الولايات المتحدة اللحاق بإيران

تسارع الولايات المتحدة للحاق بالركب. فقد تحركت لتسريع تطوير الطائرات المسيّرة العسكرية الصغيرة، ووافقت على أنظمة مثل LUCAS بسرعة أكبر من المعتاد. وفي تموز 2025، أصدر وزير الدفاع بيت هيغسيث توجيهًا بعنوان "إطلاق هيمنة الطائرات المسيّرة العسكرية الأميركية"، أمر فيه البنتاغون بتقليل البيروقراطية وتسريع نشر الطائرات المسيّرة، محذرًا من أن الخصوم ينتجون ملايين الطائرات سنويًا، بينما تعرقلت الجهود الأميركية بسبب إجراءات شراء قديمة.




مقارنة LUCAS و"شاهد": تصميم مألوف

تشبه طائرة FLM-136 LUCAS طائرة "شاهد" الإيرانية، وهي نظام هجومي أحادي الاتجاه استخدمته روسيا بشكل واسع في أوكرانيا. وقد ساهمت "شاهد" في نشر فئة جديدة من الأسلحة تعمل بشكل مشابه لصواريخ كروز ولكن بكلفة أقل بكثير. ومع انتشار الطائرات الهجومية وانخفاض تكلفتها، تأخرت أنظمة الدفاع المضادة لها، مما كشف ثغرات في الدفاع الجوي.

تقنيات أخرى لمكافحة الطائرات المسيّرة

تعمل الجيوش على تطوير مجموعة متزايدة من التقنيات لمواجهة انتشار الطائرات المسيّرة الرخيصة، بدءًا من أجهزة التشويش الإلكترونية والطائرات الاعتراضية، وصولًا إلى أشعة الليزر عالية الطاقة المصممة لتعطيل الأهداف بسرعة الضوء. وتَعِد العديد من هذه الأنظمة بخفض تكلفة الدفاع عبر الاعتماد على الكهرباء أو منصات قابلة لإعادة الاستخدام بدلًا من الصواريخ الباهظة، لكنها لا تزال محدودة من حيث المدى أو القوة أو القدرة على العمل في مختلف الظروف الجوية أو على نطاق واسع، ولم يبدأ نشرها إلا بشكل محدود خارج بيئات الاختبار.

البحرية الأميركية

تُعد السفينة USS Preble، وهي مدمرة من فئة "أرلي بيرك"، أول سفينة بحرية حتى الآن مزودة بهذا النظام الليزري حتى 2 شباط 2026.













وإلى أن تنضج هذه الأنظمة ويتم نشرها على نطاق واسع، لا تزال القوات المسلحة تعتمد على صواريخ الدفاع الجوي المختبرة لاعتراض الطائرات المسيّرة التي تهدد السفن والقواعد والمدن. ويكمن التحدي أمام الولايات المتحدة وحلفائها، في ما إذا كانت تقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة ستتطور بسرعة وكلفة منخفضة بما يكفي لمواكبة وتيرة الطائرات الهجومية، أم أن الدفاع سيظل يعتمد على صواريخ اعتراضية باهظة الثمن.