من غير المفهوم كيف ولماذا أتت الفكرة بتأليف وفد التفاوض مع إسرائيل من أعضاء منتمين إلى الطوائف الأربع الكبرى، وبالتالي تلغيمها ذاتياً، وهو ما نشهده بتمنّع الرئيس نبيه بري عن تسمية العضو الشيعي فيها للأسباب التي يبديها، وكأن البلد ما لبث أن انتهى من زمن الثلث المعطِّل حتى دخل في عصر الربع المعطِّل!
المفهوم الموضوعي الجاد، والذي يُعَوَّل عليه في سياق خوض أية مباحثات تسووية، هو أن يُختار لها من يتمتّع بفن التفاوض فوق كل اعتبار. هذا هو الفيصل الكفيل بكسب الحد الأعلى من النتائج منها. اذا كنت رئيساً تنفيذياً لشركة وعليك الدخول في مفاوضات مع طرف آخر، تَهُّم وتجمع فريقاً من المفاوضين المهرة الذين لديهم سجل حافل بالفوز بأقصى الممكن. وإذا لم يتوفّر جميعهم أو بعضهم من داخل الشركة، تُبادر عندئذٍ للتعاقد مع أشخاص من الخارج مشهودٌ لهم بتحقيق مثل هذه النجاحات. وفي الحالتين لن تتطلّع الا الى مقدار كفاءاتهم لتقرّر تعيينهم في الفريق المفاوض، لا الى دياناتهم أو مذاهبهم، وبغض النظر عن اذا صدف أنهم ينتمون جميعا الى الملّة ذاتها، والتي يمكن حتى أن تختلف عن ملّتك أنت بالذات ! فكيف بالأحرى اذا كان الموضوع يخصّ مسألةً بالأهمية المصيرية والتاريخية لمفاوضات اتفاق سلام بين الجمهورية اللبنانية ودولة اسرائيل؟
هناك من سيسارع ويتمنطق بالخطاب الممجوج عن حساسيات وهواجس المكوّنات اللبنانية و عن (بدعتَي) الميثاقية والديمقراطية التوافقية، إلى آخر المعزوفة التي عادةً ما تؤخِّر ولا تقدِّم. والردّ على أولئك يكون من منطلق المنطق الاداري الحكومي للدولة الذي ينبثق من نصوص الدستور وروحه، وهو أن السلطة التنفيذية في الجمهورية اللبنانية بأي حال ستزوِّد الوفد بالارشادات اللازمة وبحدود صلاحياته مع الزامية احاطتها بما يجري والعودة إليها في القرارات الحاسمة التي سيواجهها في أية مرحلة من سير المفاوضات. وبما أن هذه السلطة، من رئاسة جمهورية ومجلس وزراء هي معبِّرة من حيث تمثيلها عن أطياف سياسية مختلفة ووازنة في البلاد، وهي أيضاً "ميثاقية" من حيث تشكيلها الطائفي والمذهبي، فإن القرار بيدها في نهاية المطاف، كما انه لمعالي وزرائها صلاحية الاعتراض أو الموافقة على ما سيُوضع على طاولة المفاوضات من تحدّيات وقرارات، فلِمَ الزعل؟
زِد على ذلك أنه في حال موافقة مجلس الوزراء على اتفاقٍ ما، فإنه حكماً سيُحال الى مجلس النواب التمثيلي والميثاقي للموافقة عليه أو لا أو تعديله. فما الخطب في ذلك؟
هل يدري أهل الحكم عندنا ماهية تعيين نتنياهو للوزير السابق رون ديرمر كرئيس للوفد الاسرائيلي المفاوض؟ أنه شخص من الوزن الثقيل في المؤسسة الإسرائيلية ولديه سجل من النجاحات في مباحثات صعبة على الصعيدين الداخلي والدولي في خدمة مصالح دولته. وبالتأكيد، فإن وفده المرافق سيكون مؤلفاً من عتات المفاوضين المحنّكين و العنيدين والمراوغين والمناورين الخ... الذين لا يستكينون لما قد لايحقِّق لهم أهداف دولتهم العبرية وأطماعها. وإذا أردنا الانتباه والاعتبار، فلنرجع الى مذكّرات الدبلوماسي المصري العريق محمد ابراهيم كامل، الذي كان من عداد الوفد الذي رافق الرئيس الراحل أنور السادات إلى مفاوضات كامب دايفيد بصفته وزير الخارجية آنذاك، للتوعية إلى الأساليب الشرسة والملتوية التي تسلّح بها رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في المفاوضات، والتي لم تَثِر سخط الرئيس السادات فقط إلى حد المباشرة بالانسحاب والعودة الى بلاده، بل جعلت الرئيس الأمريكي جيمي كارتر يضيق ذرعاُ به أيضا.
النصيحة هي أن يكون الوفد اللبناني مؤلفاً في المبدأ والأساس من أشخاص قادرين على مواجهة هذا النوع وذلك المستوى من المفاوضين. ولا نظننّ أن إسرائيل قد انصرفت في تأليف وفدها إلى حسابات على الطريقة اللبنانية من نوع تحقيق معادلة في أعضائٍه بين اليهود السفارديم و الأشكناز والفلاشا، الخ... بل من المؤكّد أنها قد استحضرت أرفع ما لديها من السياسيين والدبلوماسيين والخبراء في كل المجالات المحورية لمفاوضاتها مع لبنان، أي ما يعادل قوة ضاربة بحد ذاتها تستوجب قوة ضاربة مقابِلةعلى الطاولة لا يفتقر لبنان إليها من حيث القامات والعقول التي يزخر بها إن في الداخل أو في الخارج.
تأليف وفد بهذه الأهمية الفائقة لا يتحمّل "عمل الواجبات" المألوفة والعقيمة، من محاباة وتبييض وجه وتبويس لحى وتكاذب بين أعضاء الطبقة الحاكمة، فليس هكذا تورد الإبل، اذ أن التفاوض فن وعلم وخبرة و له أربابه قبل كل شيء.
صاحب رأي سيادي مستقل