تخيّلوا طفلًا في الرابعة من عمره، يترك حضن أمّه للمرّة الأولى ليدخل عالمًا جديدًا اسمه "الروضة". تغيُّر قد يبدو عاديًا لنا، لكنه بالنسبة إلى الطفل واحد من أعمق التحوّلات التي تترك أثرًا طويلًا في سيكولوجيته.
يشعر الطفل وكأنّ عالم البيت الدافئ الذي كان يحميه ويوفر له كلّ ما يحتاجه قد تخلّى عنه فجأة، ورماه في بيئة يضطرّ فيها للتعامل مع ظروف جديدة كليًّا عليه، وبغياب دعم الأهل الذين لم يختبر غيابهم من قبل.
في البيت، تَحدُّثٌ حرٌّ دافئٌ حيّ، مرتبطٌ باللعب والضحك والقصص اليومية. أما في المدرسة فيجد الطفل نفسه مطالَبًا فجأة بفهم كلام ترافقه شروط لا يعرف سببها، كلام مختلف بتراكيبه وإيقاعه. وهنا تبدأ صدمة ثانية، أقلّ وضوحًا لكنها ليست أقل أثرًا: الصّدمة اللّغوية. هذه الصّدمة المضافة إلى تعقيد البيئة الجديدة، ليست ارتباكًا عابرًا بل قيد نفسي وعائق معرفيّ يشوّهان علاقته بالقراءة، ويخلقان منذ البداية مسافة نفسية بينه وبين الكِتاب والمعارف تستمر لدى الكثيرين مدى الحياة.
هذه المقالة لا تناقش السياسة أو الهوية، بل تنطلق من سؤال تربويّ بسيط تعالجه بطريقة علمية: هل بإمكاننا أن نجعل انتقال الطفل من البيت إلى المدرسة نزهة بدل أن يكون همًّا؟ هل بإمكاننا تأمين أجواء أدفأ للطفل في مدرسته؟
عبء الازدواجية اللغوية
تشير أبحاث الدكتورة إليانور صايغ – حداد حول مفهوم "المسافة اللغوية" (Linguistic Distance)، إلى أن الطفل العربيّ يواجه وضعًا تعليميًّا فريدًا: فهو يتعلّم القراءة بلغة لا تتطابق مع لغته اليومية. فلا تقتصر توقعاتنا منه على فكّ الحروف وفهم المعنى مثلما يتوقع المربّون من أطفال الدنيا، بل أن يُنجز أيضًا عملية ذهنية إضافية: وهي تخمين كلمات من محكيَّته تشبه تلك الأصوات التي قرأها. نوع فريد من الترجمة.
هذه العملية الإضافية تشغل جزءًا من الذاكرة العاملة، فتؤدّي إلى ما يسمّيه علم النفس المعرفي بـ "الإجهاد المعرفي" (Cognitive Overload). وبدلًا من أن يكرّس دماغه جهده لبناء مهارة القراءة، ينفق نسبة من طاقته في الترجمة المستمرة.
على المسؤولين والمربّين تأمين تعليم عبر "المقدار الأسلم من العبء المعرفي" أي (Cognitive Load Optimization)، لكي يتفرّغ دماغ الطفل للعمل المُجدي وبناء آلية القراءة نفسها كملكة تلقائية بطرق فعّالة.
ربط الرّمز بالمعنى
بالرغم من أن الكتابة نشأت وتطوّرت لتدوين اللغة عبر رسوم ترمز لأصواتها، فالقراءة لم تبقَ العملية العكسية البسيطة للكتابة، أي أنها تجاوزت العملية الميكانيكية التي تقتصر على فك الشيفرات المرسومة وإصدار أصوات. فالقراءة تطوّرت عبر العصور بسبب ضغوط الحاجة للتواصل الأكثف والأسرع، فتجاوزت الصلة الصوتية. فأصبح القارئ المتمكّن يربط "رسم الكلمة" بالمعنى مباشرة، من دون اضطراره للمرور عبر صوت يبطئ العملية. هذه العملية تُعرف بـ "قراءة النظر" (Sight Reading)، وهي من أسس السّرعة والكفاءة والنجاح في عالم اليوم.
عندما يبدأ الطفل تعلُّم القراءة بكلمات البيت التي يفهم معناها مسبقًا - أي بلغته اليومية - تنشأ شبكات أعصاب دمج الرمز المكتوب مباشرة بالمعنى الذهني. بينما طالما استمرّ في تعلُّم القراءة عبر الفصحى، أي بكلمات لا تنتمي إلى لغته المحكيّة، لا يبقى له حلّ سوى فك الرسم لإصدار - أو تخيُّل - الصوت الصحيح، لكي يتمكن من اكتشاف كلمة يعرفها، ثم يربطها بمعنى.
المسار العصبي المتعرّج
عند تعليم القراءة مباشرة بلغة بعيدة عن لغة الطفل اليومية، يضطر الدماغ إلى بناء مسار إدراكي أطول، قوامه: الكلمة المكتوبة ← صوت بالفصحى ← ترجمة داخلية إلى الصوت المحكي ← الوصول إلى المعنى.
هذا المسار المتعرِّج يخلق طبقة عصبية إضافية غير ضرورية في الشبكات الدماغية المختصة بالقراءة في عقله. ففي دماغ الطفل، التعلُّم ليس شيئًا خياليًّا أو فكرة عابرة، بل هو بناء بيولوجي عصبي واقعي. ومع التكرار، يصبح هذا المسار المتعرِّج جزءًا ثابتًا من طريقة عمل الدماغ يبطِئ معالجة الكلمات بسبب تعقيد غير ضروري.
أي أن هذا المسار يصبح نمط قراءة ثابتًا يصعب على الإنسان التخلّص منه، فيبقى أسير القراءة الصوتية حتى في المراحل المتقدِّمة. ومن هنا يصبح السؤال بديهيًا: ما اللغة التي تتيح للطفل بناء هذا الأساس المعرفي بأقل عبء وأكبر فاعلية؟
لغة البيت ضرورة للعصر
الدعوة ليست إلى استبدال العربية الفصحى، بل إلى عدم فرضها بطريقة تجعل الطفل يستثقلها لا بل يكرهها. فالطفل الذي يكتسب آلية القراءة أولاً بلغته الأم (المحكيّة) يطوّر الثقة بنفسه، ويبني مهارة فك التشفير بشكل تلقائي، ثم ينقل هذه المهارة لاحقًا إلى لغات أخرى وفق مبدأ (Transfer of Decoding Skills).
تجربة تطبيقية
انطلاقًا من هذا التصوُّر، نطرح مشروعنا الذي يعتمد كتبًا رقميّة لمرحلة "KG2" تستخدم اللغة اللبنانية في تعليم القراءة بهدف تنظيم التدرّج اللغوي، وتقليل شعوره بالاغتراب المدرسي، وجعل المدرسة توفر الفرصة للطفل لتكوين مهارات معرفية تناسب العصر الآتي.
باحث ومفكّر في قضايا اللغة والتربية