عشيّة الذكرى الـ51 لاندلاع حرب لبنان، يصدر كتاب "دَور الصحافة اللبنانية عشيّة حرب لبنان" للباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا عن "دار سائر المشرق"، ليسلِّط الضوء على الدَّور المحوريّ الذي لعبته الصحافة اللبنانية خلال المرحلة التي سبقت اندلاع القتال عام 1975، ضمن سياق اتسم باتساع غير مسبوق لهوامش التعبير وتفاقم الانقسام السياسي والطائفي، في مشهديّة سياسية وإعلامية وأمنية لا تختلف عن سياق الأحداث التي يعيشها لبنان اليوم، وإن اختلف اللاعبون وتغيّرت العناوين. تنشر "نداء الوطن" جزءًا من مقدّمة الكتاب الذي يضيء على عِبَر الماضي علّنا نتعظ من تجارب التاريخ.
تشبه الصّحافة بتأريخها الأحداث اليوميّة، الوعاء الحاضن لتاريخ الشعوب وما يتضمّنه من خبرات وأحداث ومتغيّرات وتجارب تطبع حياة الأوطان ومحيطها. فكيف إذا كانت هذه الصّحافة تتمتع بهامش واسع من الحريّة، كالذي تمتعت به الصّحافة اللّبنانيّة، ما جعلها منبرًا لعالم عربيّ لم تتوافر فيه حريّة مُماثلة؟ فقد رافقَت الصّحافة اللّبنانيّة أحداث لبنان والمنطقة منذ انطلاقتها، وبرز دورها على المستويَين السّياسيّ والثقافيّ، وخصوصًا على مستوى حريّة الرّأي والتعبير، فكانت لها فرادتها وتميّزها وحُضورها في عالم عربيّ لجأ إليها مرارًا، تارةً للتعلّم منها والإفادة من خبرات أعلامها، وطورًا لتمرير رسائله السّياسيّة عبرها وشن حروبه مع الآخرين على صفحاتها.
وللبنان الذي احتضن تلك الصحافة، ومنحَها بموجب نظامه السّياسيّ هامشًا واسعًا من الحريّة، خصوصيّة سياسيّة وطائفيّة وحضاريّة كان لها تأثير بالغ في إنتاج أحداث كثيرة وقعَت على أرضه منذ ما قبل نشأة الكيان الذي نعرفه اليوم. وقد كان للصّحافة دور متفاعل مع كلّ تلك الأحداث، إذ أثرت وتأثرت فيها، وكانت صفحاتها مسرحًا لنقاش فكريّ محتدم بين الكُتّاب بين مؤيّد ومُعارض لمَشروع سياسيّ ما...
كان التوازن الطائفيّ في لبنان قبلَ قيام دولة لبنان الكبير مارونيًّا – درزيًّا، تحوّلَ بعدَ نشأته إلى مسيحيّ – إسلاميّ. وكانت الهوّة الفاصلة بين الطّائفتَين المارونيّة والسّنيّة بعدَ العام 1920 "ناتجة من عاملَين اثنَين: المَوقف من الدّولة وهويّة الوطن السّياسيّة. فإذا كان لبنان الكبير، من منظور الموارنة، تتويجًا لجهودِهم السّياسيّة واستجابة لآمالهم الوطنيّة، فهو من منظور السّنة كان ذروة هزيمتهم" (فريد الخازن، 2005، ص 61).
واستمرّت المعارضة السّنيّة للكيان طوال فترة الانتداب "إذ كان لديها مشكلة في الانتماء إلى كيان "مصطنع" منفصل عن "سوريا العربيّة" ويسيطرُ عليه الموارنة الذين تأخذ المشكلة معهم ثلاثة مناحٍ: كونهم مسيحيّين، متعاطفين مع الفرنسيّين، ولا حماس كبيرًا لديهم بالنسبة إلى العروبة" (ص 62). هذا بالنسبة إلى السّنة، أمّا بالنسبة إلى الموارنة، فقد شكّل إعلان قيام دولة لبنان الكبير بالنسبة إليهم "امتدادًا طبيعيًّا "للقوميّة" المارونيّة الّتي انبثقَت من خصوصيّة تجربتهم التاريخيّة في جبل لبنان. وبتعبير آخر، فقد وجدت الهويّة الوطنيّة المارونيّة تعبيرها السّياسيّ في "دولة لبنان الكبير" الجديدة، وبطريقة مُشابهة، عبّرت القوميّة العربيّة عن نفسها في مُحاولتها إنشاء دولة عربيّة "كبرى" تكون دمشق عاصمتها" (ص 62).
وعلى هذا الأساس، استمرّ الخلاف المارونيّ – السّنيّ طوال فترة الانتداب إذ استمرّ قياديّو القوميّة العربيّة من الشخصيّات السّنيّة، مصمّمين على إلحاق المناطق التي تمّ ضمّها إلى "لبنان الكبير"، إلى سوريا والانفصال عنه. لكن ظروف السّياسة الدّوليّة والإقليميّة التي رافقَت الحرب العالميّة الثانية، خلقت تطوّرات جديدة أنتجت تقاربًا مارونيًّا – سنيًّا جمّد الخلافات وعبّد الطّريق أمام تحقيق استقلال ركيزته الميثاق الوطنيّ المبنيّ على تراجع المسلمين عن المُطالبة بالوحدة العربيّة، وخصوصًا مع سوريا، مقابل معارضة المسيحيّين الانتداب الفرنسيّ والاستعاضة عن الوحدة والانتداب بكيان ذي وجه عربيّ يعتمدُ الحياد في السّياسة العربيّة – العربيّة. لكن الاتفاق الهش، سرعان ما تهاوى أمامَ العواصف الدّاخليّة التي أثارَها صعود الناصريّة المُتَسَبّبة بأزمة 1958 التي أطاحَت بالأسس السّياسيّة والطائفيّة التي قامَ عليها الميثاق الوطنيّ. فقد انضمّ الرئيس كميل شمعون إلى المحور الغربيّ، وفي المقابل لم يكتفِ القادة السّنّة في لبنان بدعم عبد الناصر بل بدأوا يطالبون بالوحدة مع سوريا ومصر في إطار الجمهوريّة العربيّة المتحدة. وقد شملَ مطلبهم ضمّ لبنان بكامله، وليس فقط المناطق التي أُلحقت بلبنان ما بعد 1920، كما كانت الحال من قبل.
ومنذ ذلك الحين، عادَت مُشكلة الهويّة والكيان إلى الواجهة لتُطرح في السّبعينات باحتدام أكبر، خصوصًا مع مطالبة المسلمين السّنة بمشاركة أوسع في الحكم. وفيما خفتَ نجم "القوميّة العربيّة" في تلك الفترة، أوجد الوجود الفلسطينيّ في لبنان بُعدًا جديدًا للأزمة، مشكِّلًا عنصر تدمير إضافيًّا وأساسيًّا أغرقَ البلدَ في أتون حرب لا تزال تداعياتها الطائفيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة مُستمرّة. هذا ووفر الوجود الفلسطينيّ المسلّح في لبنان للطّبقة السّياسيّة الإسلاميّة عنصر قوّة لتصعيد المُطالبة بما سُمّي بـ "المُشاركة السّياسيّة"، والتي تعني ضمنًا انتزاع السّيطرة السّياسيّة من الموارنة.
...عايش البلد خلال هذه الفترة "تعبئة سياسيّة مكثفة على المستوى الشعبيّ تقابلها تعبئة إعلاميّة سياسيّة وأيديولوجيّة وصلَت إلى الذروة في الطّرح التصادميّ المتشنج. الجرائد والمجلّات والدّوريّات اللّبنانيّة والفلسطينيّة والعربيّة، إضافة إلى المنشورات الحزبيّة الموجّهة، عكسَت صخب تلك المرحلة بتطرّفها المفرط" (ص 376).
ولا يمكن إغفال تنامي نفوذ الأحزاب الرّاديكاليّة اليساريّة والقوميّة، وتنامي نفوذ المنظمات الفلسطينيّة على المستويات الإعلاميّة والعسكريّة والسّياسيّة في كلّ المناطق اللّبنانيّة، بالإضافة إلى الدّعم الماليّ، والعسكريّ، والسّياسيّ والإعلاميّ المُباشر الذي قدّمَته لحلفائها اللّبنانيّين. وقد عمدَت الأحزاب اللّبنانيّة، عبرَ التنافس السّياسيّ، إلى تكفير الآخر ومُحاولة إلغائه، "وفي تلك الأجواء المتشنجة بدأت عمليّة عسكرة المُجتمع من خلال القوى الحزبيّة، وتحوُّل العَمل الحزبيّ تدريجيًّا باتجاه العَمل الميليشويّ بعدَ أن باتَ واضحًا أن الدّولة وقوّاتها المسلّحة أصبحَت عاجزة عن التدخل سواء للدّفاع عن مَصالحها أو للدفاع عن الناس" (ص 380، 381). وكانَ عجز الجيش عن التدخل للدّفاع عن الدّولة وسيادتها وعن الناس نابعًا من تحييده عن القيام بدوره في ضبط الانفلات الأمنيّ في الشارع لمنع انزلاق البلاد في حرب أهليّة طاحنة. وذلك كنتيجة لنظرة فئويّة إلى الجيش من قبل القيادات السّنيّة والدّرزيّة والشيعيّة التي كانت تشكّك في ولائه الوطنيّ وتتهمه بالانحياز إلى القيادات المسيحيّة.
وقعَت هذه التحوّلات السّياسيّة كلّها في ظلّ نظام متمايز عن غيره من الأنظمة في المحيط العربيّ، سواء أكان من حيث التركيبة الاجتماعيّة المتنوّعة والمتعدّدة، أم من جهة طبيعة النظام الدّيمقراطيّ اللّيبراليّ القائم على تركيبةٍ سياسيّةٍ يحكمُها التوافق ما بين مكوّنات المُجتمع التي تتقاسمُ السّلطة على أساس طائفيّ. وما يزيد لبنان تمايزًا عن محيطه، صحافته الحرّة الّتي أدّت دورًا سياسيًّا وتاريخيًّا وثقافيًّا كبيرًا على صعيدَي لبنان والمنطقة، كما شكّلت منبرًا للأنظمة العربيّة وملجأ لكلّ مَن أرادَ التعبير عن موقف أو رأي أو قضيّة من الصّحافيّين والمثقفين والمفكّرين العرب الذين حُرموا من هذا الحق في أوطانهم.
تطرحُ حريّة النشر والتعبير، التي تمتعَت بها الصّحف اللّبنانيّة عشيّة الحرب، تساؤلًا حولَ دورها في اندلاع حرب لبنان في العام 1975... انطلاقًا من محوريّة دَور وسائل الإعلام عامّةً والصّحافة تحديدًا خلالَ الحروب والنزاعات، تسعى إشكاليّة البحث إلى معرفة مدى مسؤوليّة الصّحافة اللّبنانيّة عن اندلاع الحرب اللّبنانيّة وتحديد دورها. وانطلاقًا من هُنا، يطرحُ البحثُ الإشكاليّةَ الآتيةَ: "ما هو الدَّور الّذي أدَّتهُ الصّحافة اللّبنانيّة عشيّة حرب لبنان الّتي اندلعَت في العام 1975؟". فهل أسهمَت في تأجيج النزاع السّياسيّ، والتحريض على الحرب، وإثارة الفتن والأحقاد والانقسام بين الطّوائف والأحزاب، أم أدَّت دورًا يدعو إلى التهدئة والحوار ويغذي الشعور بالانتماء الوطنيّ؟ وما هي طبيعة الخطاب الذي أنتجَته الصّحافة اللّبنانيّة؟ فهل أنتجَت خطابًا تحريضيًّا يدعو إلى خوض الحرب ويعزز الكراهية، أم خطابًا مسالمًا يدعو إلى حلّ المشكلات الطّارئة بوعي وطنيّ؟
يقومُ البحث على رصد يوميّ، ولمدّة سنة كاملة (13 نيسان 1974 – 13 نيسان 1975) لافتتاحيّات ومانشيتات "النهار"، و "العمل"، و "النداء"، و "المحرّر"، و "السّفير". وبرصد هذه الصّحف الخمس نكونُ قد تناولنا ثلاث صحف غير حزبيّة وصحيفتَين حزبيّتَين، كعيّنة تمثيليّة للصّحف اللّبنانيّة الّتي غطّت الحوادث المتلاحقة بينَ عامَي 1974 و1975.
إنّ محوريّة دور الصّحافة في الحروب والنزاعات وما هو مُتعارف عليه عن طبيعة هذا الدّور عبرَ التاريخ، يجعلُ من السّهل جدًّا اتهامها بالوقوف خلفَ اندلاع الفتن والترويج للحرب والدّعاية لها. ففي أحيان كثيرة، لا تكون خطاباتها بريئة، لكن وضعَ الصّحافة اللّبنانيّة في قفص الاتهام، وتحميلها مُنفردة المَسؤوليّة المُباشرة لاندلاع الحرب اللّبنانيّة، يمنح الإجابة عن هذه الأسئلة والإشكاليّة أهمّيّة تاريخيّة تحدّد حجم المسؤوليّة الفعليّة للصّحافة اللّبنانيّة في حرب العام 1975، وتكشف عن دورها الحقيقيّ في تلك الحرب، وتؤكّد صحّة هذه الاتهامات أو تنفيها، فهل مهّدت الصّحافة اللّبنانيّة فعلًا لحرب لبنان؟
