في لبنان، لم تعد الحرب حدثًا طارئًا، بل واقعًا يُفرض على الناس، ثم يُطلب منهم التكيّف معه. وكأن المواطن لم يعد سوى تفصيل في معادلة أكبر، يُهجَّر من بيته، ويُترك لمصيره، ثم يُسأل كيف سيعيش.
ما يحصل اليوم ليس فقط نتيجة حرب، بل نتيجة قرار. قرار بإقحام لبنان في صراع لا يشبهه، ولا يحتمله، ولا يملك أدوات الصمود فيه.
مع إخلاء مناطق في الجنوب والضاحية، لم نشهد فقط نزوحًا داخليًا، بل انهيارًا سريعًا في التوازن الاقتصادي. آلاف العائلات انتقلت إلى مناطق أخرى، فارتفع الطلب على المواد الغذائية بشكل حاد، وسجّلت بعض المناطق "الآمنة" زيادة في المبيعات وصلت إلى 60%. هذا الارتفاع لم يكن رقمًا عاديًا، بل إنذارًا: الأسعار سترتفع، والقدرة الشرائية ستنهار أكثر.
لكن الحقيقة الأقسى أن الضربة لم تأتِ من الحرب وحدها. قبل اندلاعها بيومين، رُفعت الأسعار تحت عنوان تصحيح الأجور. ارتفعت الأسعار فورًا، فيما بقيت الأجور حبرًا على ورق. ثم جاءت الحرب لتُكمل ما بدأته القرارات المرتبكة، فدفع المواطن الثمن مرتين: مرة بقرار، ومرة بواقع.
أما في السوق، فالصورة أكثر تعقيدًا من مجرد اتهامات. السلع لم تختفِ بالكامل، لكن تدفّقها لم يعد يواكب الطلب المتزايد. النتيجة: نقص نسبي، وارتفاع تدريجي في الأسعار، وشعور دائم بأن ما هو متوفر اليوم قد لا يكون موجوداً غداً، خصوصاً على أبواب الأعياد.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الرقابة غائبة أو عاجزة. ليس بالضرورة لأنها لا تريد أن تعمل، بل لأنها لا تملك القدرة الكافية. عدد المراقبين محدود، إمكانياتهم ضعيفة، وهم أنفسهم ضحايا الأزمة. فكيف يمكن لدولة منهكة أن تضبط سوقاً ينفلت تحت ضغط الحرب؟
لكن كل ذلك، على قسوته، يبقى تفصيلًا أمام السؤال الأكبر: من يتحمّل مسؤولية ما يحصل؟
اللبنانيون لم يختاروا هذه الحرب. ومع ذلك، فُرضت عليهم. فُرضت على بلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي، وعلى شعب بالكاد يلتقط أنفاسه. والأسوأ، أنها فُرضت أيضًا على أبناء بيئة الذين فرضوها، وهم من يدفعون الثمن أولاً.
في السابق، كان هناك على الأقل شكل من أشكال الاحتواء. مساعدات، ولو محدودة. دعم مادي، ولو خجول. اليوم، حتى هذا لم يعد موجودًا. أبناء هذه البيئة يُهجَّرون، يتركون بيوتهم، ويواجهون الغلاء نفسه، من دون أي شبكة أمان حقيقية. لماذا؟ لأن الأولويات تغيّرت، والتفاصيل لا مجال لها.
لم يعد السؤال كيف يُحمى الناس، بل كيف يُستكمل الصراع. لم يعد التركيز على تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم، بل على الاستمرار في معركة مفتوحة، مهما كان الثمن. وكأن الإنسان لم يعد أولوية، بل تفصيل يمكن تجاوزه.
لبنان اليوم محاصر: اقتصاديًا، سياسيًا، ومعيشيًا. وبدل أن تُفتح طرق الإنقاذ، تُغلق أكثر. وبدل أن يُحمى الناس، يُتركون لمواجهة مصيرهم. في هذا المشهد، لا يعود السؤال كم ارتفعت الأسعار، أو كم يكفي المخزون، بل سؤال أبسط وأخطر: من يحاسب من يقرّر الحرب… ومن يدفع ثمنها؟
مرة جديدة، الجواب واضح. من يقرّر لا يخسر، ومن لا يقرّر… يخسر كل شيء.