على أي لبنان سيستفيق اللبنانيون بعد أن تتوقف الأعمال العسكرية؟ في الجنوب سنكون أمام واقع ميداني حيث إسرائيل تفرض سيطرتها على مساحة من الأرض غير معروف حتى الآن مداها. في الضاحية الجنوبية سيكون الخراب شبيهًا "ببرلين صغيرة" بعدما اقتحمتها جيوش الاتحاد السوفياتي والحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية. في الاقتصاد ستتعمق الأزمة إلى حد أن محاولات إعادة الإعمار ستبدو كأنها ستحرم اللبنانيين من لقمة العيش اليومي إذا لم تبادر الدول القادرة والأهم "الراغبة" إلى إنشاء نوع من صندوق مالي يساعد الدولة اللبنانية. الأخطر من كل ذلك الأسئلة بشأن مصير الصيغة السياسية التي كرسها "اتفاق الطائف" وانتهكها نظام آل الأسد والفصيل اللبناني لـ "الحرس الثوري" الإيراني. تحاول عصابة "حزب الله" انتقاء بنود من "الطائف" تعتبر أن طرحها على بساط البحث أفضل طريقة لعدم محاسبتها على ما اقترفته من خيانات ضد الدستور وجوهر "المشروع اللبناني". إزاء هذا الواقع، وفي حال بقيت مسألة سلاح العصابة الخارجة عن القانون من دون حل، وبمعزل عن النتيجة النهائية للحرب الدائرة، وفي حال بقيت قرارات الدولة اللبنانية على حالها، سنكون أمام مفارقة غريبة حيث يترنح "الطائف" من جهة بسبب تآمر العصابة ومن جهة أخرى بسبب عجز الدولة. وهذا التدرج البطيء في المواقف جعل الدولة دائمًا متأخرة أمام سرعة الحوادث، إن في تصنيف العصابة كخارجة عن القانون وإن في قبول التفاوض المباشر مع إسرائيل. لقد تهربت من مسؤولياتها عندما تبنت نظرية غير صحيحة بتاتًا عن "الطائفة الجريحة"، وليس بالضرورة إذا حُبِكَتْ مقارنة أن تكون صحيحة كمثل استجلاب "المارونية السياسية" و "السنية السياسية" ووضعهما على قدر المسؤولية مع "شيعية سياسية". شتّان ما بين الاثنتين بما لهما وعليهما، و "الشيعية السياسية"، على الأقل في جوهر "المشروع اللبناني" ودوره مقابل تحويل لبنان جزءًا من "الجمهورية الإسلامية" في إيران. بصريح العبارة عندما تكثر الدولة في بياناتها من "دروس في الأخلاق" (Leçons de morale) عن التخاطب الإعلامي، هذا يعني أنها تعتقد بحلول تقليدية لأزمة تهدد بنية النظام، في لحظات تغيير تاريخي يهب على المنطقة. الدولة تعيش على الأوهام إذا كانت تعتقد بقرب الساعة التي تقتنع فيها عصابة "الحزب" بالتخلي عن كل مآربها. هذه المقاربة التقليدية التي عمرها من عمر الكيان اللبناني تسببت في هذا التصدع الذي انتهى إلى ضرب "المشروع اللبناني" المرتكز على "لبنان الجامعة والمدرسة والمستشفى والمصارف والحريات...إلخ". قدرة الدولة قد تكون موضع نقاش، ولكن الأهم من القدرة هو الرؤية، وأقصر طريق للهروب من الرؤية منطق المناشدة، والتغني بالوحدة الوطنية، التي قال عنها ميشال شيحا لبيار الجميل عند تأسيس حزب "الكتائب" على ما نقل الرئيس شارل حلو في مذكراته "علينا أن نعيش مع عدد من مواطنينا من الطوائف المختلفة بموجب سوء تفاهم مُرتضى". سامح الله ميشال شيحا على هذه النظرية التي كلفت ضياع أعمارنا.