المخرج رمال أبي يونس

مجتبى خامنئي... ثعلب ماكر بعباءة الدين

5 دقائق للقراءة

ليست كل الحروب تُخاض بالصواريخ.. فبعضُها يُدار بالأرواق النقدية بصمت داخل البنوك. جميعنا يعلم أن الحرب تريد طرفَين والمسؤولية تريد جرأة، وهذه من سمات الثعلب مجتبى خامنئي، الذي يدير الحرب بالشعارات وشد العصب من جهة، وفي ترتيب الأوراق النقدية الصورة على الصورة والرقم على الرقم، لتكون جميعها فوق بعضها البعض بترتيب متقن، وبتلاوة الصلاة عليها للتبريكات والإفتاء بفلسفته لتصبح حلالا من جهة أخرى.

وفي العلن، تُرفع القبضات وتُصرخ الشعارات، ويُرسم العدو بوضوحٍ لا يقبل الشك، لكن خلف هذا المسرح الصاخب، هناك عالم آخر…

عالم بلا هتافات، بلا جماهير، وبلا ألوان، عالمٌ تتحرّك فيه الأموال بهدوء، وتُعقد فيه الصفقات بين أطراف يُفترض أنهم أعداء.

ما سيُكشف هنا ليس مجرد تحقيق بل لحظة انكشاف قاسية، تسقط فيها الأقنعة دفعة واحدة.

قصة تبدأ بشعارٍ يُردَّد في الشوارع وتنتهي بعقارات فاخرة في لندن، وقروض بملايين الجنيهات الإسترلينية، وشبكات مالية تمتد عبر القارات.

وحين تكتمل الصورة، لن يكون السؤال: ماذا حدث؟ بل من كان يكذب علينا طوال الوقت؟

في طهران، يُرفع الشعار كل يوم: "الموت لإسرائيل" وفي الشوارع تُردَّد الكلمات كأنها عقيدة لا تقبل النقاش، لكن بعيدًا عن المنابر، وفي مدينة أخرى لا تشبه صخب الشعارات، تُكتب قصة مختلفة تمامًا،

في لندن، حيث المال لا يعرف الأيديولوجيا، ولا يعترف بالعداوات.

ففي تحقيق استقصائي دولي صادم، نشره موقع "هشومريم" الإسرائيلي بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين الإستقصائيين icij. كشف عن شبكة مالية معقّدة يُشتبه أنها تعود إلى مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي، تمتد من طهران إلى قلب أوروبا، وتحديدًا إلى أحد أغلى شوارع العالم.

"بيشوب أفينيو" المعروف بـشارع المليارديرات.

لكن المفاجأة لا تكمن فقط في حجم الثروة… بل في مصدرها!

فبحسب التحقيق، حصل مجتبى خامنئي عام 2013 على قرض ضخم بقيمة 36 مليون جنيه إسترليني من شركة تمويل مرتبطة بمجموعة TOPLAND العقارية التي أسسها رجلا الأعمال الإسرائيلي "سول وايدي زحاي".

هنا، لا نتحدث عن صفقة مالية عادية، بل عن مفارقة صارخة: نجل نظام يرفع راية العداء المطلق لإسرائيل، ويحصل على تمويل عبر شبكة مرتبطة برجال أعمال إسرائيليين. فهذه ليست مجرد مفارقة.. بل ازدواجية تطرح سؤالاً خطيراً.هل الشعارات موجّهة للشعوب فقط، بينما المصالح الحقيقية تُدار في مكان آخر؟

بعيداً عن الأضواء، استخدم مجتبى خامنئي شركة واجهة تُدعى  Birch Ventures إلى جانب وسطاء ماليين مثل صندوق LJ Partnership Group لشراء عقارات فاخرة في لندن دون أن يظهر اسمه بشكل مباشر.

نمط مألوف في عالم تبييض الأموال: شركات أوفشور، هياكل ملكية معقّدة، وواجهات قانونية نظيفة… والهدف واحد: إخفاء المستفيد الحقيقي.

التحقيق كشف أيضاً عن دور محوري لعلي الأنصاري، المصرفي الذي وُصف في تقارير بريطانية بأنه مرتبط بشبكات مالية مشبوهة، والذي يُعتقد أنه لعب دور الواجهة المالية للعائلة، وهو يدير شبكة تمتد من لندن إلى باريس وبرلين ومدريد ما يعني أننا أمام منظومة مالية متكاملة، لا مجرد صفقات متفرقة.

الأرقام وحدها كفيلة بإثارة الصدمة

أكثر من 12 عقارا في لندن بثروة تقدر بي 120 مليون دولار. إضافة إلى استثمارات فندقية في أوروبا

فهذه ليست ثروة عابرة.. بل إمبراطورية مالية تنمو بهدوء، بعيداً عن ضجيج السياسة.

وهنا، يصبح السؤال أكبر من مجرد تحقيق صحفي:

كيف يمكن لنظام يقدّم نفسه كرمز “للمقاومة” أن تكون نخبته المالية متداخلة مع شبكات رأسمالية عالمية، بعضها مرتبط بخصومه المعلنين؟

هل تحوّل شعار “المقاومة” إلى أداة تعبئة داخلية فقط؟ وهل أصبحت العداوة خطاباً سياسياً، بينما الواقع تحكمه المصالح والاستثمارات؟ فما يكشفه هذا التحقيق يتجاوز حدود إيران… ليطرح نموذجاً متكرراً في عالم السياسة: خطاب ثوري في الداخل، وبراغماتية مالية باردة في الخارج.

وفي هذه المساحة الرمادية، تُبنى الثروات، وتُخفى الحقائق، وتُدار المصالح بعيداً عن الشعوب التي يُطلب منها أن تصدّق وأن تصمت.

وإيران لم تكتفِ ببناء نفوذ سياسي، بل مدّت أذرعها التي تصفها بأنها “محور مقاومة”عبر جماعات إرهابية مسلّحة في أكثر من دولة، من لبنان إلى العراق وصولاً إلى اليمن، حيث تحوّلت هذه الساحات إلى خطوط اشتباك مفتوحة، يدفع ثمنها المدنيون قبل أي طرف آخر.

وفي الوقت الذي تُنفق فيه إيران الموارد على الامتدادات الخارجية، يواجه الشعب ضغوطًا اقتصادية قاسية، عملة تتآكل، وتضخمًا مرتفعًا، ما يفتح باب التساؤل داخل إيران نفسها حول أولويات الإنفاق، وحدود العلاقة بين الداخل المنهك والخارج المشتعل. وهنا.. يتقاطع السؤال الاجتماعي مع السياسي:

هل يمكن لدولة أن توازن بين خطاب المواجهة في الخارج، واستقرارها الاقتصادي في الداخل؟

وأي ثمن يدفعه المواطن حين تتحول الجغرافيا إلى ساحة نفوذ مفتوحة؟

في النهاية، ليست القضية في عقار هنا أو حساب هناك بل في الفجوة الهائلة بين ما يُقال وما يُفعل

فحين يصبح “العدو” شريكاً مالياً، وحين تتحول الشعارات إلى ستار، ندرك أن الحقيقة لا تُقال على المنابر بل تُكتشف في سجلات البنوك. وهنا، في لحظةٍ كهذه، لا يعود السؤال سياسياً بل أخلاقياً

فإلى الشعب الإيراني:

ليس العيب أن تُرفع الشعارات، بل العيب أن تُستخدم لتغطية حقيقة أخرى تُدار في الخفاء وعلى حساب كرامتكم ولقمة عيشكم.

وإلى العالم، هذه ليست معركة روايات، بل معركة حقيقة. فلا يمكن الدفاع عن خطابٍ علني، بينما تكشف الوقائع شبكة مصالح تناقضه من جذوره. فالقضية لم تعد "من مع من" بل "مع من الحقيقة ومن ضدها"

وحين يبدأ الشعب بطرح هذا السؤال، لا تسقط الأنظمة فوراً لكنها تبدأ بالسقوط من الداخل ببطءٍ وبلا رجعة.