عباس هدلا

الشيعة والنهي عن "إلقاء النفس في التهلكة"

5 دقائق للقراءة
السيد علي الأمين 

في 9 آذار 2026، وخلال الاجتماع الافتراضي الذي نظمه رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية السيدة أورسولا فون دير لاين للبحث في الأوضاع التي تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط نتيجة التطوّرات العسكرية الأخيرة وتداعياتها على لبنان، أطلق رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مبادرة تهدف إلى وضع حدّ للتصعيد الإسرائيلي المتجدّد ضد لبنان ترتكز على النقاط الأربع التالية:

أ‌- إرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكلّ الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان.

ب‌- المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلّحة اللبنانية.

ج- تقوم هذه القوى فورًا بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كلّ سلاح منها، ومصادرة سلاح "حزب اللّه" ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها.

د‌- وبشكل متزامن، يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصّل إلى تنفيذ تفاصيل كلّ ما سبق.

تهدف هذه المبادرة إلى النأي بلبنان عن الصراع الإقليمي- الدولي في الحرب الإسرائيلية الأميركية الإيرانية، وتجنيب لبنان تبعات هذا الصراع وحمايته من التدمير والقتل ومن تشريد أبنائه، وإذا كان تلكؤ الحكومة اللبنانية وأجهزتها الأمنية والعسكرية في حماية اللبنانيين ولا سيّما أهل الجنوب، من خلال التسويف والمماطلة في عملية حصر سلاح "حزب اللّه"، يعتبر خذلانًا لهؤلاء المواطنين ورميهم في أتون صراع إيران وأذرعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن هذه المبادرة تعتبر محاولة جدية لسحب البساط من تحت "حزب اللّه" المتحكم بإشعال الفتيل العسكري وجرّ لبنان من دون إذن إلى صراع عسكري لا يعرف أفقه أو حجم أضراره على كلّ اللبنانيين.

بين الجهاد و "إلقاء النفس في التهلكة" شروط شرعية

تتماهى هذه المبادرة مع محاولات بعض رجال الدين اللبنانيين العقلاء والمعتدلين من الطائفة الشيعية إعلاء الصوت ورفض الأسلوب الانتحاري الذي استعمله "حزب اللّه" في جرّ لبنان واللبنانيين إلى منازلة عسكرية غير متكافئة ومختلة الميزان بشكل هائل، تساعد في قتل وتهجير وتشريد اللبنانيين ولا سيّما أبناء الطائفة الشيعية وتعرّضهم للتهلكة، وهو ما يتعارض بشكل كامل مع المفهوم الشرعي الديني النهي عن "إلقاء النفس في التهلكة" الذي لطالما كان السند الأساسي للطائفة الشيعية وفقهائها في الحفاظ على الكيان والوجود والاستمرار على مرّ العصور، ويعتبر السيد علي الأمين أن التماهي مع أجندات خارجية لا يجلب سوى العزلة والخسارة، ويجب وضع المصلحة الوطنية فوق الولاءات الفئوية، فـ "يد اللّه مع الجماعة"، وإذا كانت كل الجماعات في لبنان هي مع مرجعية الدولة وحصرية السلاح بيدها، فيجب أن ينضمّ الشيعة إلى بقية الجماعة"، معتبرًا أن توريط الطائفة في نزاعات مسلّحة وخارجية يُعدّ "رميًا للنفس في التهلكة" ومخالفة للمصلحة الوطنية ولنهج العيش المشترك في لبنان، ويشدّد في كتابه "زبدة التفكير في ردّ السب والتكفير" على ذكر الفقهاء شروطًا عدّة للجهاد في كتبهم الفقهية كـ "وجوب الإعداد والاستعداد، ووجوب تجنيب ويلات الحروب للأبرياء من النساء والرجال والشيوخ والأطفال، والابتعاد عن أماكن العبادة وعدم إلحاق الضرر بالشجر والحيوان" وهو ما يختلف اختلافًا جوهريًا على ما نشاهده اليوم من استسهال لفتح جبهات كرمى لهذا وذاك. فيما يوصّف الشيخ محمد علي الحاج العاملي ما قام به "حزب اللّه" في لبنان بـ "رمي النفس في التهلكة"، "فهناك جماعة تريد أن تأخذ الناس إلى خيارات ليست مسؤوليتهم على المستوى الشرعي، فليست مسؤولية اللبنانيين الشيعة الشرعية أن يقوموا بدور على مستوى كل الأمة الشيعية وأن يساندوا كل الأمة، فهناك معايير عدة تستند إلى الآية الكريمة "لا يكلّف الله نفسًا إلّا وسعها"، فهل ما قامت به هذه الجماعة بالوسع؟ وبالتالي هناك الكثير من المفاهيم التي طرحت في السنوات الأخيرة هي غير شرعية إطلاقًا، فمثلًا على المستوى الشرعي، لا بدّ أن نأخذ ظروف المكان والزمان ودراسة الظروف الموضوعية والبحث وتحقيق الأمور حتى يتمّ تشخيص ما هو الواجب الشرعي، وليس الالتزام اعتباطًا بحكم آخرين لهم ظروفهم الموضوعية المختلفة، ولا يجوز مساندة الآخرين في ظلّ عدم وجود قدرة موضوعية على ذلك، وبالتالي لا يجوز تحميل مسؤولية مساندة الأمة لجماعة صغيرة في لبنان، هذا شرعًا تكليف بما لا يطاق، وبالتالي انطلاقًا من ذلك شرعيًا، يجب أن نكون كلبنانيين شيعة أكثر واقعية، ونخرج من خطاب هذه الجماعة الغرائزي أو الطائفي أو العاطفي وعدم التحرك كيفما كان، بل يجب الذهاب إلى خطاب عقلاني يشخص الأمور بواقعية وبمسؤولية أخلاقية ودينية وشرعية، يكون مدخلًا لأن ننتهي من هذه الأزمة، فأبناء الطائفة الشيعية في لبنان عليهم مسؤولية رئيسية شرعية هي عدم الانصياع لإرادات وقرارات لا تكون منسجمة بل يمكن أن تكون متعارضة مع المستوى الشرعي".

وبالتالي لا بدّ شرعًا من تحكيم العقل واتباع الموضوعية في قراءة الأحداث والأمور ورفض كل قرار أو إرادة يمكن أن تودي إلى التهلكة، ويتجانس هذا الخطاب مع توجّهات المبادرة الرئاسية ويمكن أن يغطيها دينيًا ويساعدها كسند ديني للتحفيز على السير بها كمبادرة وطنية لبنانية مكتملة العناصر وقابلة للتطبيق، لتكون خشبة الخلاص للوصول بلبنان واللبنانيين ولا سيما اللبنانيين الشيعة إلى برّ الأمان وإنقاذهم من واقع القتل والتهجير والتدمير الذي يعانونه.