تجمّع مئات السوريين في اعتصام صامت في دمشق أمس، احتجاجًا على قرار السلطات تقييد بيع المشروبات الكحولية ومنع تقديمها في المطاعم والملاهي الليلية، إذ توافد المحتجون إلى ساحة حي باب توما ذي الغالبية المسيحية، وسط إجراءات أمنيّة مشدّدة، بدعوة من ناشطين في المجتمع المدني، في تحرّك يعكس مخاوف متزايدة من المساس بالحرّيات الشخصية من قِبل السلطات السورية. ورفع المحتجّون العلم السوري، ولافتات بالعربية والإنكليزية كتب على إحداها "الحرّية الشخصية خط أحمر".
ويأتي الجدل عقب سلسلة قرارات صدرت في الأشهر الماضية وإجراءات أثارت مخاوف على الحرّيات، من ضوابط "أكثر احتشامًا" للباس على الشواطئ والمسابح، إلى الجدل في شأن منع تبرّج الموظفات في اللاذقية. وأصدرت محافظة دمشق الثلثاء الماضي قرارًا يحصر بيع المشروبات الروحية المختومة في ثلاث مناطق تقطنها غالبية مسيحية، هي القصاع وباب توما وباب شرقي، ومنع تقديمها في المطاعم والملاهي، عازية القرار إلى شكاوى من المجتمع المحلّي فيما تسعى إلى الحدّ من "الظواهر المخلّة بالآداب العامة".
وأكّدت الأستاذة الجامعية حنان عاصي، التي حملت لافتة في اعتصام دمشق كتب عليها "بنود الدستور حق وليست مطلبًا"، لوكالة "فرانس برس"، أن لدى السوريين "آلاف القضايا المنسيّة من الفقر إلى المهجّرين والمشرّدين واللاجئين"، معتبرة أنه "نحن في مرحلة بناء ولسنا في مرحلة تفريق". وحضر الممثل الكوميدي ملكي ماردانيال من فريق "ستيريا" الكوميدي، بعدما تناول القرار بسخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى أن "الكوميديا بيدنا سلاح خفيف بوجه السلطات، والقرارات التي تصدرها تضحك الناس أكثر من الكوميديا التي نصنعها"، مؤكّدًا أن "قرارات السلطات هي ما تجمع الناس في الساحات".
واعتبر الكاتب التلفزيوني رامي كوسا أنه "إذا كان الهدف من هذه القرارات هو جسّ النبض لتمرير قرارات مشابهة من أجل التضييق على الحرّيات العامة لتغيير هوية المدينة، يجب أن تكون وصلت الرسالة"، حاسمًا أن "هذا النوع من القرارات لن يمرّ". وقالت الناشطة ميرلا أبو شنب إنه "ليس لدينا تأكيد أنه سيتمّ التراجع عن القرار وقطع أرزاق الناس وتقسيم دمشق، هذه حرّية شخصية، من يريد أن يشرب (الكحول) فليشرب، ومن لا يريد، لا يفعل".
في هذا الإطار، انتقدت وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات، وهي الوزيرة المسيحية الوحيدة في الحكومة، القرار، حاسمة أن مناطق المسيحيين "ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك". ورأت محافظة دمشق أن الإجراءات الجديدة "تتماشى" مع مراسيم صادرة قبل أعوام طويلة، وأن الهدف منها تنظيم "الفوضى الحاصلة في محلات بيع المشروبات الكحولية"، لكنها أشارت في الوقت عينه إلى أنها "ستعيد النظر في المناطق الثلاث المذكورة في القرار، بما لا يسيء لأيّ مكوّن من المكوّنات".
على صعيد آخر، استمرّت الاعتداءات الطائفية بحق الكرد في مناطق سورية عدّة إثر حادث إنزال العلم السوري خلال احتفالات "النوروز" في مدينة كوباني، رغم تأكيد المسؤولين الكرد أن الحادث فردي ومرفوض، إذ كسرت وحطّمت مجموعة مسلّحة من أبناء عشائر محلّية، يُرجّح أنهم موالون لدمشق، عددًا من المحلات التجارية العائدة لمواطنين كرد في بلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي، في حين عادت فصائل "العمشات والحمزات" إلى بلدة جلبية في حلب بعد انسحابها ضمن اتفاق سابق، حيث تمركزت في مدرسة البلدة، وشرعت بتحرّكات استفزازية تجاه المكوّن الكردي في دوار جلبية، وسط توتر متصاعد بين السكان المحلّيين، حسب "المرصد السوري".
في الغضون، استقبل الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب في دمشق السبت وفدًا كرديًا بمناسبة عيدي الفطر و "النوروز"، بحضور محافظي حلب والرقة والحسكة، والمبعوث الرئاسي لمتابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني مع "قسد". وأكد الشرع أن "النوروز" عيد وطني يعكس خصوصية المكوّن الكردي، وأن الشعب السوري واحد، مشدّدًا على أن ضمان حقوق أبناء المكوّن الكردي حق أصيل. ورأى أن التنوّع الثقافي في سوريا يمثل مصدر قوة، مشيرًا إلى دعم تنمية المنطقة الشرقية، فيما أشاد الحضور بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 لضمان حقوق الكرد في سوريا، مؤكدين أهمية ترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز التشاركية، وحصر السلاح بيد الدولة، وفق وكالة "سانا".