جان الفغالي

سقطت الظروف التي أسقطت 17 أيار

3 دقائق للقراءة

كلما ذُكر اتفاق واشنطن، يسارع البعض إلى استحضار اتفاق 17 أيار وكأن التاريخ يدور في حلقة مغلقة. وكأن كل تفاهم لبناني ـ إسرائيلي محكوم تلقائيًّا بالسقوط. هذه المقاربة لا تعكس قراءة سياسية بقدر ما تعكس حنينًا إلى زمن انتهى، وإصرارًا على تجاهل حقيقة أن لبنان والمنطقة والعالم لم يعودوا كما كانوا قبل أكثر من أربعين عامًا.

اتفاق 17 أيار لم يسقط بسبب نصوصه فقط، بل سقط لأن سوريا كانت أقوى من الدولة اللبنانية، ولأن الاتحاد السوفياتي كان يوفر غطاءً استراتيجيًّا لمحور الرفض، ولأن قرار الدولة اللبنانية كان مجرد تفصيل صغير.


أما اليوم، فأين هي هذه المعطيات؟

سوريا التي قادت معركة إسقاط اتفاق 17 أيار لم تعد موجودة. إيران التي ورثت جانبًا كبيرًا من النفوذ السوري في لبنان تواجه واقعًا مختلفًا عما واجهته خلال العقدين الماضيين. فالمواجهات العسكرية المتتالية، والتبدلات الإقليمية، قلصت هامش قدرتها على إدارة الصراعات. وحتى حلفاؤها في المنطقة باتوا يتعاملون مع أولويات داخلية واقتصادية تفرض عليهم حسابات مختلفة.

لبنان نفسه تغيّر. ففي عام 1983 كان الصراع حول موقعه في النزاع العربي ـ الإسرائيلي. أما عام 2026 فإن السؤال الذي يواجه اللبنانيين هو كيفية إنقاذه من الانهيار. المواطن اللبناني الذي خسر كل شيء تقريبًا ينظر إلى الملفات الإقليمية بالعين نفسها التي كانت سائدة قبل أربعة عقود. الأولوية أصبحت للدولة، للاقتصاد، للاستقرار، ولإعادة بناء المؤسسات.

لهذا السبب تبدو المقارنة بين اتفاق 17 أيار واتفاق واشنطن أقرب إلى المقارنة بين زمنين مختلفين لا بين اتفاقين متشابهين. فالاتفاق الأول وُلد في ظل الاحتلال السوري غير المباشر للبنان وانتهى بقرار سوري. أما الاتفاق الثاني فيولد في لحظة إقليمية مختلفة .من هنا، فإن الرهان على إسقاط اتفاق واشنطن بالطريقة التي أُسقط بها اتفاق 17 أيار ليس قراءة للواقع بل هروب منه. فالأدوات التي استُخدمت عام 1984 لم تعد متوافرة، والقوى التي كانت تمتلك حق التعطيل لم تعد تمتلك القدرة نفسها، والبيئة الإقليمية والدولية لم تعد تسمح بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

إن مصير الاتفاق الحالي لن يتحدد وفق سيناريو كُتب قبل أكثر من أربعين عامًا. لقد سقط اتفاق 17 أيار لأن ميزان القوى يومها كان ضد الدولة اللبنانية. أما اليوم، فإن المعركة الحقيقية تدور حول ما إذا كانت الدولة ستستعيد سيادتها كاملة أم ستبقى رهينة منطق السلاح الموازي.