جاد الاخوي

بين منطق الدولة ومنطق الفرض بالقوة

4 دقائق للقراءة

تشكل تصريحات وفيق صفا ومحمود قماطي محطة خطيرة في مسار الحياة السياسية اللبنانية، لأنها لم تعد تندرج في إطار السجال السياسي التقليدي، بل انتقلت إلى مستوى التهديد المباشر للدولة ومؤسساتها. حين يتحدث مسؤول حزبي عن "إجبار الحكومة" على التراجع، فهو لا يعبّر عن رأي سياسي، بل يضع نفسه في موقع سلطة موازية، قادرة على فرض قراراتها خارج الأطر الدستورية.

من خطاب سياسي إلى تهديد صريح

ما صدر عن صفا وقماطي يتجاوز حدود التعبير السياسي إلى إعلان نوايا واضح باستخدام القوة كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية. هذا التحول ليس تفصيلاً، بل مؤشرا على خلل عميق في ميزان العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة خارجها. فالدولة، بطبيعتها، تحتكر العنف المشروع، وأي خروج عن هذا المبدأ يعني عملياً سقوط أحد أهم أركان السيادة.

الخطير في هذا الخطاب أنه لا يكتفي برفض قرارات الدولة، بل يهدد بإجبارها على التراجع "بغض النظر عن الوسيلة"، وهو تعبير يحمل في طياته كل الاحتمالات، من الضغط السياسي إلى التلويح باستخدام القوة في الداخل.

ازدواجية السلاح والقرار

لبنان يعيش منذ سنوات على وقع ازدواجية قاتلة: سلاح داخل الدولة وسلاح خارجها، قرار رسمي وقرار موازٍ. لكن الجديد اليوم هو الانتقال من هذه الازدواجية إلى محاولة فرض هيمنة كاملة على القرار الرسمي.

حين يُربط الحديث عن تطوير القدرات العسكرية، والتحضير لحرب طويلة الأمد، مع التلويح بفرض الإرادة على الحكومة، فإننا أمام نموذج واضح لدولة داخل الدولة. وهذا النموذج، حيثما وُجد، قاد دائماً إلى إضعاف المؤسسات وانهيار الثقة الداخلية والخارجية.

ما بعد الحرب: أجندة مفتوحة على التصعيد

إشارة صفا إلى أن "الأجندة ستتغير بعد الحرب" تفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة. فالمقصود هنا ليس إعادة تموضع سياسي طبيعي، بل احتمال انتقال الصراع إلى الداخل اللبناني إذا تعارضت قرارات الدولة مع مصالح هذا الفريق.

هذا الطرح يضع اللبنانيين أمام معادلة خطيرة: إما القبول بشروط الأمر الواقع، أو مواجهة مرحلة جديدة من التوتر وربما الفوضى. وهو ما يعيد إلى الأذهان مراحل سابقة دفع فيها اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة صراعات داخلية.

الصمت الرسمي: أزمة بحد ذاته

لا تقل خطورة هذه التصريحات عن خطورة الصمت الرسمي تجاهها. فغياب رد حازم من الحكومة يرسل إشارة سلبية مفادها أن التهديد باستخدام القوة يمكن أن يمر دون محاسبة.

الدولة التي لا تدافع عن نفسها تفقد تدريجياً قدرتها على فرض القانون. ومع كل سابقة تمر دون رد، تتآكل هيبة المؤسسات أكثر، ويصبح من الصعب استعادتها لاحقاً.

بين الشرعية والفرض

المعادلة واضحة: إما أن تكون القرارات الوطنية نابعة من المؤسسات الدستورية، أو تُفرض بقوة السلاح. ولا يمكن الجمع بين الاثنين. أي محاولة للتوفيق بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا هي، في الواقع، تأجيل لانفجار أكبر.

لبنان لا يمكن أن يستمر كنظام هجين، حيث تتعايش الشرعية مع واقع مفروض بالقوة. فهذه المعادلة أثبتت فشلها مراراً، وكانت دائماً مقدمة لأزمات أعمق.

مسؤولية الحكومة: من التنديد إلى الفعل

المطلوب اليوم من الحكومة اللبنانية أن تنتقل من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل. فلا يكفي إصدار بيانات عامة، بل يجب اتخاذ خطوات ملموسة تعيد الاعتبار لهيبة الدولة:

• إحالة التصريحات إلى القضاء المختص باعتبارها تتضمن تهديداً للنظام العام.

• استدعاء المعنيين للتحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

• التأكيد العملي على حصرية السلاح بيد الدولة، ليس كشعار، بل كسياسة تُترجم بقرارات واضحة.

هذه الخطوات ليست تصعيداً، بل تطبيق بديهي للقانون. وأي تراجع عنها يعني عملياً القبول بمنطق القوة كبديل عن الشرعية.

لبنان أمام لحظة حاسمة

لبنان اليوم أمام اختبار مصيري. فإما أن يكرّس نفسه كدولة قادرة على فرض سيادتها على كامل أراضيها، أو أن يتحول إلى ساحة مفتوحة تتنازعها القوى المسلحة.

التاريخ مليء بالدول التي فقدت سيادتها تدريجياً لأنها ترددت في مواجهة التحديات الداخلية. وفي المقابل، فإن الدول التي نجحت في حماية نفسها كانت تلك التي وضعت خطوطاً حمراء واضحة، وطبّقتها دون استثناء.

لا دولة بلا قرار واحد

جوهر الأزمة ليس في تصريح هنا أو موقف هناك، بل في غياب مرجعية واحدة تحتكم إليها جميع الأطراف. لا يمكن بناء دولة بقرارين، ولا يمكن حماية وطن بسلاحين.

إن استعادة هيبة الدولة ليست خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية. وأي تأخير في هذا المسار سيجعل كلفته أعلى بكثير في المستقبل.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التصعيدية، بل إلى قرار واضح: أن تكون الدولة هي المرجعية الوحيدة، وأن يُحاسب كل من يتجاوزها، مهما كان موقعه أو انتماؤه.