بشارة جرجس

خطة فؤاد مخزومي لبيروت: استعادة العاصمة إلى الدولة

4 دقائق للقراءة

لا يمكن لبيروت أن تبقى مدينة يحكمها الغموض. ففي لحظة يتصاعد فيها النزاع الإقليمي على نحوٍ خطير، تقف الدولة اللبنانية أمام خيارٍ واضح لا يقبل الالتباس: إما أن تفرض سلطتها الكاملة على العاصمة، وإما أن تواصل التخلّي عنها لمصلحة قوى خارجة عن قرارها وسيطرتها. أما التناقض المتمثّل في التعايش السلبي بين مؤسسات الدولة وبين أنظمة موازية للسلطة، فلا بدّ أن ينتهي. فخارطة الطريق ليست معقّدة من حيث المبدأ، بل إن العقدة الحقيقية تكمن حصراً في التنفيذ.

ولا يمكن للدولة اللبنانية أن تستمر في إدارة عاصمتها بمنطق التردّد والتسويات. ومن هذا المنطلق، طرح النائب فؤاد مخزومي المسألة بوضوح: لا دولة فعلية ما دامت بيروت خاضعة لتوازنٍ بين الشرعية وبين القوة الموازية لها.

بيروت اليوم في قلب الصراع. فالضربات الإسرائيلية لم تعد محصورة في الضاحية الجنوبية، بل وصلت إلى عمق العاصمة. وبين الشلل الداخلي والتصعيد الخارجي، تبدو العاصمة مكشوفة أكثر من أي وقتٍ مضى، فيما ثقة اللبنانيين بالدولة تواصل الانهيار.

في هذا السياق، تبرز خطة النائب فؤاد مخزومي الأكثر وضوحاً على مستوى استعادة الدولة لقرارها داخل العاصمة. فالمطلوب، كما يطرح مخزومي، ليس بيانات إضافية ولا إدارة مؤقتة للأزمة، بل مسار تنفيذي واضح يعيد تثبيت سيادة الدولة على بيروت:

أولاً: إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح

أي سلاح خارج سلطة الدولة هو سلاح غير شرعي، ويجب أن يصدر هذا الإعلان ضمن إطار قانوني واضح، ومهلة زمنية محددة، ومعايير تنفيذ معلنة.

ثانياً: نشر الجيش اللبناني في كل أحياء بيروت بلا استثناء

لا قيمة لأي قرار سيادي إذا لم تقترن به قوة شرعية حاضرة على الأرض. لا مناطق محرّمة بعد اليوم، ولا استثناءات داخل العاصمة.

ثالثاً: إنشاء حواجز ثابتة ونقاط أمنية محلية

الأمن يجب أن يكون حضوراً دائماً، لا تدبيراً ظرفياً. والمطلوب ضبط الحركة، ومنع النشاطات غير الشرعية، وإعادة فرض النظام العام.

رابعاً: منح الجيش صلاحية كاملة لمصادرة السلاح غير الشرعي

أي خطة لا تتضمن تفويضاً واضحاً بالمصادرة والتفكيك تبقى ناقصة. ويجب أن يواكب ذلك قضاءٌ قادر على الملاحقة من دون تدخل أو حماية سياسية.

خامساً: اعتماد عقيدة دولة لحماية المدنيين وإدارة العاصمة

فالأمن لا ينفصل عن الإدارة. ومن تنظيم الإيجارات واستعمال الأملاك إلى ضبط الفضاء المدني، المطلوب حضور دولة فعلي يمنع استخدام المدينة خارج القانون.

لكن هذه الخطة تصطدم مباشرةً بحقيقة حزب الله، كتنظيمٍ يجمع بين العمل السياسي والبنية العسكرية. وعلى مدى سنوات، جرى تأجيل المواجهة تحت عناوين "التوافق" و"السلم الأهلي" وغيرها من البدع السياسية اللبنانية. إلا أن هذا النهج لم يمنع الانفجار، بل أجّله فقط ورفع كلفته على اللبنانيين.

وما يزيد الأمر خطورة أن الأزمة الأمنية متصلة مباشرةً بالأزمة المالية. لذلك، فإن استعادة بيروت ليست فقط مسألة أمنية، بل أيضاً شرط لأي إنقاذ اقتصادي ومالي.

وقد باتت الدولة أمام فرصة لا يجوز إضاعتها، بعدما أعاد مجلس الوزراء، في آب 2025، التأكيد على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، ومنح الجيش تفويضاً لإعداد خطة تنفيذية، وفي 2 آذار 2026 حظر أي نشاط أمني أو عسكري لحزب الله، وهنا تكمن المسألة: لم يعد المطلوب إعلان المبدأ، بل فرضه. وهذا تحديداً ما يدفع النائب فؤاد مخزومي إلى المطالبة بمسار واضح ينهي منطق التسويات على حساب سيادة العاصمة.

فبيروت التي تحكمها سلطات متنازعة لا يمكن أن تكون عاصمةً لدولة. والدولة التي لا تفرض سيادتها على عاصمتها، تتنازل عملياً عن مستقبلها. من هنا، فإن حماية بيروت ليست تفصيلاً سياسياً، بل المدخل الإلزامي لاستعادة لبنان.