في مسلسل «المحافظة 15»، لا تكتفي كارين رزق الله بتقديم أداء تمثيلي متقن، بل تذهب أبعد من ذلك، لتضع المشاهد اللبناني أمام مرآة موجعة تعكس جزءاً من تاريخه القريب. تؤدي دور نائبة لبنانية «بالوراثة»، صعد والدها في ظل مرحلة الاحتلال السوري المباشر، ووجدت نفسها منخرطة، كما يوحي العمل، في منظومة من الفساد والصفقات المشبوهة وغسل الأموال، شأنها شأن كثيرين ممن تعاطوا الشأن العام في لبنان.
لكن المفارقة الصادمة لا تكمن في الفساد بحد ذاته، بل في لحظة الحقيقة التي يختارها النص: اعتراف صريح، مصوّر، ومباشر أمام الناس. اعتراف بالذنب، وطلب للمحاسبة، وانتظار لحكم القضاء. مشهد درامي، نعم… صادم ومؤلم، نعم… لكنه أيضاً مشهد مفقود بالكامل في الواقع السياسي اللبناني.
ففي الحياة السياسية اللبنانية، لم نشهد حتى اليوم مسؤولاً واحداً من أولئك الذين واكبوا مرحلة الاحتلالين السوري المباشر والإيراني المقنع، واستفادوا منهما للهيمنة على السلطة، وجني الثروات، وتحويل البلد إلى منصة للمخدرات والممنوعات والفساد، وتحويل قطاعه المصرفي إلى غسّالة للأموال القذرة، ما أدى إلى انهياره ونهب ودائع الناس، يقف أمام اللبنانيين ليقول: أخطأت. لم نرَ اعتذاراً، ولا تحمّلاً للمسؤولية، ولا حتى مراجعة ذاتية. وكأن ما حصل لم يكن. وكأن الانهيار الذي نعيشه اليوم بلا جذور، بلا مسؤولين، بلا تاريخ. والأخطر، استمرار قطعانٍ مُخدَّرة بأموال الفساد ومساعداته، تسير بشكل أعمى وراء جلّاديها.
الأدهى اليوم أن كثيرين من هؤلاء الفاسدين وورثتهم يعيدون إنتاج أنفسهم بأشكال مختلفة، ويهلّلون لأي سلطة خارجية جديدة؛ فينقلون البارودة من كتف إلى آخر، ويقلبون خطابهم رأساً على عقب، يشتمون الراحل ويهلّلون لأي قوة تمنحهم النفوذ وتغطي فسادهم، ويجرّون معهم جمهوراً عطِشاً إلى عشب المحسوبيات، مستفيدين من ذاكرة جماعية ضعيفة ومثقلة بالأزمات، ومن شعب أنهكته الأولويات المعيشية، نُتِفَ كما نُتِفَت دجاجة جوزيف ستالين حتى نسي حقه الأساسي في الحقيقة والمحاسبة.
ما قدّمته كارين رزق الله ليس مجرد تمثيل، بل اقتراح أخلاقي: ماذا لو امتلك المسؤول جرأة الاعتراف؟ ماذا لو بدأ الإصلاح الحقيقي من كلمة «آسف»؟ ماذا لو فُتح باب القضاء فعلاً، لا نظرياً؟
هنا يتحوّل الشكر من مجاملة إلى موقف: شكراً لهذا العمل، لأنه أعاد طرح السؤال الذي يتهرّب منه الجميع. سؤالٌ لا يخصّ الماضي فقط، بل الحاضر والمستقبل: متى سيعتذر المسؤولون الحقيقيون؟ ومتى تتحوّل الاعترافات من مشاهد درامية إلى أفعال سياسية وقضائية؟
قد يكون الجواب مؤلماً، لكنه واضح: لن يحدث ذلك ما لم تصبح كلفة الاستمرار في الإنكار أعلى من كلفة قول الحقيقة. وفي بلد كلبنان، هذه المعادلة لم تنقلب بعد… لكنها حتماً لن تبقى على حالها إلى الأبد.