الياس دمّر

في "Project Hail Mary"... أين المغامَرة الجريئة في فيلم الخيال العلمي؟

4 دقائق للقراءة

يواصل المُخرجان Phil Lord وChristopher Miller في فيلم "Project Hail Mary"، مغامرتهما في المزج بين الترفيه الجماهيري والرّوح الإنسانيّة مُستندَين إلى رواية Andy Weir، وبقيادة نجم يتمتع بكاريزما واضحة، الكنديّ Ryan Gosling. النتيجة عملٌ بصريّ جذاب ومشحون بالعاطفة، لكنه لا يخلو من تناقضاتٍ سرديّة تجعل التجربة أقلّ تفرُّدًا ممّا توحي به مُقدّماته. تدور الحكاية حول عالمٍ يجد نفسه وحيدًا في مركبة فضائيّة، فاقدًا للذاكرة، قبل أن يستعيد تدريجيًا تفاصيل مهمّته: إنقاذ الأرض من كارثة كونية تُهدّد الشمس ذاتها. هذا البناء السّردي، يُقدِّم رحلة تقليديّة نسبيًا في الخيال العلمي، مع إشاراتٍ بصريةٍ مُتوقعة من كلاسيكيّات هذا النوع من الأفلام، وسعي واضح لتقديم تجربة ضخمة على مستوى الإنتاج.


بين الإبهار والتكرار

يُعوّض الفيلم عن التكرار النسبي عبر عنصر العلاقة غير المُتوقعة بين البطل وكائن فضائي يُطلق عليه اسم "Rocky"، وهي علاقة تُشكّل قلبه العاطفي. أبرز نقاط القوّة تكمن في أداء Gosling، الذي يحمل الفيلم على كتفَيه بثقة ملحوظة. حضوره الكوميدي الخفيف وقدرته على المزج بين الهشاشة والذكاء يمنحان العمل طاقة مُستمرّة حتى في لحظات الترهّل. هذه الكاريزما تجعل الشخصيّة أقرب إلى المُتفرّج، وتحوّل الرحلة العلميّة المُعقدة إلى تجربة إنسانيّة قابلة للتعاطف.

ويحافظ الثنائي Lord و Miller على بصمتهما المعتادة، في توازن بين الطّابع الفكاهي والنبرة الوجدانيّة. غير أن هذا التوازن ليس دائمًا مُحكمًا. فالفيلم يتأرجح أحيانًا بين الجديّة العلميّة والنبرة الخفيفة، ما يولّد إحساسًا بعدم الاستقرار أو ما يُعرَّف سينمائيًّا بمفهوم "Tonal Iconsistency". بعض النقاد حول العالم رأوا في هذا المزج عنصرًا جذابًا، بينما اعتبرناه نحن سببًا في فقدان العمل عمقه الدرامي. أمّا بصريًا، فالفيلم يُقدّم مَشاهد فضائيّة مُبهرة وتصميمًا إنتاجيًا غنيًا، يُرسّخ الإحساس بالعزلة الكونيّة. ومع ذلك، فإن هذه الجماليّة لا تُترجَم دائمًا إلى ابتكارٍ حقيقي. إذ يبدو العمل، في لحظاتٍ عديدة، وكأنه يُعيد تدوير مُفردات بصريّة مألوفة في أفلام الفضاء، دون أن يُضيف إليها الكثير.


أسير وصفة تقليديّة

السّيناريو المُقتبَس من رواية ناجحة، يُحافظ على روح النص الأصليّة القائمة على العِلم كأداة خلاص، وعلى فكرة التعاون العابر للأنواع. غير أن هذا الوفاء يتحوّل أحيانًا إلى عبء، إذ يميل الفيلم إلى الشرح الزائد وتبسيط الأفكار العلمية بطريقة مُباشرة، بل وإلى إخبار المُشاهد بما ينبغي أن يشعر به، بدل أن يترك له مساحة الاكتشاف ما يدفعنا الى التأطير المؤسف في وصف الفيلم، بكونه مُمتعًا لكنه مألوف أكثر من اللازم، وعاجز عن تجاوز حدوده السرديّة نحو أفق أكثر جرأة.

ورغم هذه المآخذ، يظلّ "Project Hail Mary" فيلمًا فعّالًا في مُخاطبة جمهور واسع. إنه عمل يؤمن بقوّة العلم والتعاون، ويُقدّم رسالة تفاؤليّة واضحة في زمنٍ تكثر فيه السرديّات القاتمة. العلاقة بين الإنسان والكائن الفضائي، على وجه الخصوص، تمنح الفيلم بُعدًا إنسانيًا دافئًا، وتُذكّر بأنّ الخيال العلمي في أفضل حالاته ليس عن التكنولوجيا أو الفضاء فقط، بل عن التواصل.

نحن إذن أمام فيلم ناجح جدًّا جماهيريًا ومُتقن تقنيًا، لكنه يقف عند حدود "الجيّد جدًا" من دون أن يرتقي إلى مصاف الأعمال الخالدة في هذا النوع. ويبقى تجربة مُمتعة ومؤثّرة في لحظاتٍ كثيرة، غير أنه يفتقر إلى الجرأة الكافية ليصبح فعلًا استثنائيًا.

وسط الظروف الصّعبة المُحيطة بنا، تجدون في هذا الشريط دفئًا كوميديًّا صادقًا مع نافذة ولو صغيرة للأمل، حاليًا وحصريًا في صالات السّينما اللبنانيّة والعالميّة.