أحمد الأيوبي

الصدام الحتمي مع الدويلة

3 دقائق للقراءة

تستمرّ الحرب الإسرائيلية في طحن لبنان الدولة والكيان، وفي فرض وقائع تدميرية على الصيغة والمستقبل السياسي للبلد، بينما تواصل العصابة الإيرانية تخادمها مع إسرائيل، مفسحة المجال لمزيد من التدمير والتخريب وتقطيع الأوصال، تمهيدًا لاحتلالٍ طويل الأمد، واحتمالات تقسيم تسقط معها الدولة ويصبح معها المصير في مهبّ الرياح الإقليمية العاتية التي تقتلع أركان وقواعد ما نعرفه من معادلات، تمهيدًا لإرساء معادلات جديدة، لن يكون للبنان أيّ مصلحة فيها.

تكشف التسريبات أن في تفاصيل الشروط الإيرانية في المفاوضات لا يوجد أي ذكر للبنان. فالإيرانيون يتعاملون فقط مع القضايا التي تهمّهم. بمعنى آخر، لا تنوي إيران إشراك لبنان في الاتفاق، وسيجد لبنان نفسه في مواجهة إسرائيل بمفرده.

وهذا يعني أن العصابة الإيرانية في لبنان تؤدّي دورها الانتحاري حتى النهاية، فلا أهمية لديها لكلّ الكوارث التي تعاني منها الطائفة الشيعية ومعها البلد بأسره، فالواضح أننا وصلنا إلى نقطة الصدام المؤجّلة التي حاول رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام تجنبها خلال المرحلة الماضية، وهنا أصبح موقف الدولة على محكّ الحفاظ على وحدة البلد أو انفراطه. فالواضح أننا سنكون أمام حالة تقسيم بالإكراه نتيجة الاحتلال الإسرائيلي المتدحرج، مع إعلان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أنه "مثلما نسيطر على 55 % من غزة علينا أن نفعل ذلك في لبنان ونهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بيننا وبينه" بالتوازي مع تصدّع قدرات الدولة وبدء أطراف وازنة الحديث عن رفض الالتزام بقواعد هذه الدولة إذا كانت ستبقى مخطوفة من "الحزب"، يسلّطها على خصومها ويستغلّ مواردها لمشروعه الإيراني في لبنان.

وبينما لم تظهر قوة "حزب إيران" عندما قتل الإسرائيليون قادته من حسن نصراللّه إلى آخر عنصر من العناصر، ظهر "بأس" "الحزب" عند قتل المرشد الإيراني علي خامنئي وتعرّض إيران للحرب المدمِّرة الحالية، مع تعاظم اليقين بأن الحرس الثوري الإيراني هو الذي يتحكّم في مسار الأعمال العسكرية على الأراضي اللبنانية باسم "الحزب"، وهذا ما أكّده الرئيس نواف سلام في مقابلته مع "العربية"، وما سبق أن أكّدناه في "نداء الوطن" منذ أشهر طويلة.

هذا السياق الإيراني المستفحل على الأراضي اللبنانية، يؤكد استحالة الوصول إلى تسوية جديدة، تُبقي السلاح على رقاب الدولة وسائر اللبنانيين، فكما المشروع الإسرائيلي يقوم على إضعاف لبنان وإنهاكه، فإن المشروع الإيراني قائم على تمزيق النسيج الوطني الداخلي وتفكيك الدولة، ومنع تطبيق القانون بالتساوي على جميع اللبنانيين وفي كل المناطق، وهذا يوصلنا إلى نتيجة واحدة: استحالة التعايش بعد الآن بين "حزب" قام بعدوان شامل على الدولة والشعب، وبين الدولة إذا كانت تريد أن تكون دولة، وليس واجهة لمشروع إيران.

نقطة أخرى تكشف أن المساعدات الإنسانية التي ينظمها "حزب إيران" عبر جمعياته لا تصل إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها، بل إلى المقرّبين من "الحزب" فقط. أمّا المحتاجون فعلًا فلا يتلقون شيئًا من جمعيات "حزب اللّه".

وعلى هامش هذا الاصطدام الحاصل، تبرز معضلة النازحين التي بدأت تأخذ أبعادًا خطرة، بسبب شبه اليقين بصعوبة إن لم نقل استحالة عودة النازحين في المدى المنظور والمتوسط، وما سيرتّبه ذلك من إفرازات على الصعيد الطائفي والمذهبي.