يأتي فيلم "Hoppers" ضمن سياق بحث "Pixar" المستمرّ عن تجديد أدواتها السرديّة من دون التفريط بهويّتها التي صنعت مجدها خلال العقود الماضية. وبينما اعتاد الجمهور أفلامًا تمزج بين البساطة الظاهريّة والعمق العاطفي، يحاول هذا العمل أن يُغامر أكثر، سواء على مستوى الفكرة أو النبرة. وهو ما يجعل الفيلم تجربة مثيرة للاهتمام، وإن لم تكن مُترابطة بالكامل.
تقوم الفرضيّة الأساسيّة للفيلم، على تقنية خياليّة تسمح للبشر بالانتقال إلى أجساد حيواناتٍ آليّة، ما يفتح الباب أمام استكشاف العالم الطبيعي من منظور غير بشري. هذه الفكرة، رغم طرافتها، ليست مجرّد حيلة سرديّة، بل تُستخدم كمدخل لمُناقشة قضايا مُعاصِرة مثل: البيئة، استغلال الموارد، وحدود التدخل البشري في الطبيعة. غير أن هذا الفيلم، وفي سعيه لاحتواء كلّ هذه الثيمات، يقع أحيانًا في فخ التبسيط أو المُباشرة، حيث تتحوّل بعض اللّحظات إلى ما يُشبه الرّسائل التوعويّة أكثر من كونها جزءًا عضويًا من الدراما.
مُغامرة تحمل همًّا
على صعيد البناء السّردي، يتسم "Hoppers" بإيقاع سريع ومشحون بالأحداث، لكنه يعاني من تأرجُح في التماسك. فالفيلم يتنقل بين الكوميديا الخفيفة، المغامرة، والدراما البيئيّة، من دون أن ينجح دائمًا في تحقيق توازنٍ سلسٍ بينها. هذا التعدُّد في النبرة يمنح العمل حيويّة ملحوظة، لكنه في المقابل يُشتت التركيز، خصوصًا في الثلث الأخير حيث تتسارع الحلول بشكلٍ قد يبدو مُتعجِّلًا.
أمّا الشخصيّات، فمِن أبرز نقاط القوّة في الفيلم. إذ تنجح "Pixar" مُجدّدًا في استحداث كائنات مُحبَّبة، سواء كانت بشريّة أو حيوانيّة، تتمتع بقدرٍ من الطّرافة والتميّز. الشخصيّة الرئيسيّة "Mabel" التي تقود الأحداث بدافع أخلاقيّ واضح، تُمثل نموذج البطلة المُحبّبة التي يسهل التعاطف معها، حتى وإن كُتِب بعض أبعادها بشكلٍ تقليدي. في المقابل، تأتي الشخصيّات الثانويّة لتُضفي روحًا مرحة وتوازنًا كوميديًا، ما يُخفف من ثقل الرسائل المطروحة.
الأيقونة Meryl Streep
ولا يُمكن إغفال إضافة استثنائيّة إلى العمل على مستوى الأداء الصوتي، مع انضمام النجمة المُخضرمة Meryl Streep إلى جانب Dave Franco. حضور Streep يمنح الفيلم ثقلًا أدائيًا خاصًا، إذ تنجح بصوتها وحده في إضفاء عمقٍ إنساني على شخصيّة "Insect Queen" التي تؤدّيها، مُستفيدة من خبرتها الطويلة في تجسيد الشخصيّات المُركّبة. في المُقابل، يُقدّم Franco أداءً أكثر خفةً وحيويّة، ينسجم مع النبرة الكوميديّة لبعض لحظات الفيلم، ويخلق بُعدًا طريفًا بين الجديّة والمرح. هذا التنوّع في الأداء الصوتيّ يعكس تميّزًا في اختيار الكاست، ويُعزز جاذبيّة العمل لجمهور الكبار المُرافقين للصّغار.
كما يُحقق الفيلم مستوى عاليًا من الإتقان. التفاصيل الدقيقة في تصميم البيئات الطبيعيّة، من الغابات إلى الأنهار، تعكس تطوّرًا تقنيًا واضحًا، وتؤكّد استمرار تفوّق استوديوات "Pixar" في هذا المجال. الإبداع في الإضاءة والألوان، يمنح المُشاهد إحساسًا بالانغماس ويُعزز فكرة الدخول إلى عالمٍ مُختلف. ومع ذلك، فإن هذا الإبهار البصريّ لا يخفي تمامًا بعض النمطيّة في تصميم الشخصيّات، التي تبدو أحيانًا مألوفة أكثر ممّا ينبغي. من الناحية الموسيقيّة والصوتيّة، يلتزم الفيلم بالأسلوب الكلاسيكيّ لأعمال "Pixar"، حيث تُستخدم الموسيقى لتعزيز الحالة الشعوريّة من دون أن تطغى على المشهد. وهي نقطة تُحسب للعمل، إذ تمنحه توازنًا بين التأثير العاطفي وعدم المُبالغة. ولمُحبّي كلاسيكيّات السّينما، يزخر الفيلم بتحيّاتٍ ذكيّة لأعمالٍ خالدة مثل "Jaws" الصادر سنة 1975 للمُبدع Steven Spielberg و "The Birds" للعبقريّ Alfred Hitchcock في العام 1963.
لعلَّ "Hoppers" ليس أفضل ما قدَّمته "Pixar" مؤخرًا، لكنه بالتأكيد ليس عملًا عابرًا. الفيلم يحاول أن يقول الكثير، ربّما أكثر ما يحتمل، لكنه ينجح في تقديم تجربة ممتعة ومليئة بالطّاقة. تكمن قيمته الحقيقيّة في جرأته على التجريب، وفي محاولته إعادة طرح أسئلةٍ قديمة بصيغةٍ جديدة: كيف نتعايش مع الطبيعة؟ وأين تنتهي حدودنا كبشر؟ وتأتي مع هذه الطّروحات المُهمّة، ضرورة مُشاهدة العائلات هذا الفيلم حصرًا في صالات السّينما.