في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتعرّض دول الخليج العربي لتهديدات غير مسبوقة في تاريخها من حيث حجم وعدد الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي تستهدف أراضيها يومياً، أعلنت دولة الإمارات، مساء الخميس، تفكيك شبكة وصفتها بالإرهابية، ممولة ومدارة من قبل حزب الله وإيران، وإلقاء القبض على عناصرها.
في هذا السياق، يبرز سؤال مشروع: ماذا لو كان على رأس الدبلوماسية اللبنانية وزير خارجية ينتمي إلى محور “الممانعة”، كما كان الحال في مراحل سابقة؟ أي رسالة كانت ستصل إلى العواصم الخليجية؟ وأي ثمن كان سيدفعه مئات آلاف اللبنانيين، من مستثمرين وعاملين هناك؟
إنّ الإجابة على هذا السؤال لا تندرج في إطار الافتراض النظري فحسب، بل تمسّ صميم الأمن الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين، وتكشف مدى الترابط الحساس بين توجهات السياسة الرسمية الخارجية ومصالح المواطنين في الخارج.
إن أي خطاب ملتبس أو متماهٍ مع السياسات الإيرانية اليوم سيُترجم سريعاً بتشدّد خليجي تجاه الوجود اللبناني، وربما بإجراءات قاسية تصل إلى حد الترحيل الجماعي أو التضييق الاقتصادي والاجتماعي. فدول الخليج، التي تخوض اليوم مواجهة مباشرة مع التهديدات الأمنية، لم تعد تحتمل ازدواجية المواقف أو الغموض السياسي.
من هنا تبرز أهمية الدور الذي يلعبه وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، والذي يمكن القول إنه شكّل صمّام أمان للبنانيين في الخليج. ففي الاجتماع الطارئ الذي عُقد في الرياض بدعوة من المملكة العربية السعودية، لم يكتفِ رجّي بلغة دبلوماسية تقليدية، بل اختار الوضوح والمصارحة، واضعاً النقاط على الحروف في ما يتعلق بتداعيات التدخلات الإيرانية في لبنان والمنطقة.
لقد جاءت كلمته جريئة وغير مسبوقة، إذ أشار بوضوح إلى أن لبنان يدفع أثماناً باهظة نتيجة هذه التدخلات، لا سيما عبر استخدام “الحزب المحظور” كأداة لتنفيذ أجندات خارجية على حساب الدولة اللبنانية وسيادتها. وهذا الموقف، وإن كان داخلياً يعكس انقساماً سياسياً معروفاً بسبب تماهي محور الممانعة مع الأجندة الإيرانية، إلا أنه خارجياً حمل رسالة حاسمة: لبنان الرسمي ليس جزءاً من هذا المحور، ولا يغطّي سياساته.
أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل في توقيته أيضاً. ففي لحظة غضب خليجي مشروع من التهديدات الإيرانية اليومية، كان يمكن لأي التباس في الموقف اللبناني أن ينعكس فوراً على الجاليات اللبنانية. لكن وضوح رجّي أعاد رسم صورة لبنان كدولة ضحية، يحتل هذا المحور جزءاً من قرارها، وتطلب الدعم لتتمكن من المواجهة. ومن هنا شدّد الوزير على أهمية التضامن العربي والدولي مع لبنان، وركّز على ضرورة دعم الجيش اللبناني باعتباره الضامن الوحيد للأمن الداخلي، وعلى أهمية تنفيذ القرار 1701 وحصر السلاح بيد الدولة.
هذا الأداء الدبلوماسي أعاد للبنان، ولو جزئياً، مصداقيته المفقودة في العالم العربي. فبحسب مصادر مطلعة، فإن جرأة رجّي ووضوحه لاقيا ارتياحاً في الأوساط الخليجية، التي باتت تميّز اليوم بشكل أوضح بين الدولة اللبنانية وخيارات بعض القوى الداخلية. وهذا التمييز هو تحديداً ما حمى اللبنانيين من تداعيات كان يمكن أن تكون كارثية على وجودهم ومصالحهم.
في المحصلة، ما قام به يوسف رجّي لم يكن تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل خطوة إنقاذية وضعت حداً لانزلاق لبنان الرسمي نحو عزلة قاتلة كان سيدفع ثمنها كل لبناني في رزقه وكرامته ومستقبله. لقد أثبتت التجربة أن كلمة واحدة قد تحمي آلاف العائلات، وأن موقفاً سيادياً واضحاً قد يوازي في أهميته أي إنجاز اقتصادي أو أمني.
لكن الخطر لم ينتهِ. فلبنان لا يزال يقف على حافة هاوية، بين من يريد، بالنار والموت والحرب، ربطه بمصالح إيران الاستراتيجية والحربية، ومن يسعى إلى بناء دولة طبيعية، مزدهرة، آمنة ومتطورة، تسعى للالتحاق بركب الحضارة العالمية والإنسانية. من هنا، فإن اللحظة الراهنة تفرض على جميع اللبنانيين، دون استثناء، أن يحسموا خياراتهم: إما دولة تحمي أبناءها وتعيد بناء علاقاتها العربية والدولية على أسس الاحترام المتبادل، أو الاستمرار في سياسات الإنكار التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والانهيار.
الأوطان لا تُصان بالتسويات الرمادية، بل بالوضوح، ولا تُحمى بالشعارات، بل بالقرارات. وفي زمن التحولات الكبرى، لن يرحم التاريخ المترددين والمتلوّنين، بل سيسجّل فقط أسماء الذين امتلكوا الجرأة ليقولوا الحقيقة… في الوقت المناسب.