تستمرّ حال الغموض التي تخيّم فوق المنطقة والعالم في شأن الخطوات التالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب في حربه ضدّ النظام الإيراني، فبعدما أجّل تصعيد الصراع إلى مستوى استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، مانحًا الملالي مهلة ضيّقة للتفاوض حول اتفاق ينهي الحرب بشكل يحقق المصالح الحيوية لأميركا وإسرائيل، أرسل إشارات متضاربة أمس. فقد أعاد ترامب نشر منشور لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يبدي فيه استعداد بلاده لاستضافة محادثات أميركية - إيرانية، وأكد أن واشنطن تجري محادثات مع "الأشخاص المناسبين" في إيران من أجل التوصّل إلى اتفاق، وأن طهران وافقت على مبدأ عدم امتلاك سلاح نووي. كما أبدت مصر استعدادًا للعب دور في إجراء مفاوضات.
كذلك، اعتبر ترامب أن الإيرانيين قدّموا "هدية توازي قيمتها مبلغًا طائلًا من المال مرتبطة بحرية الحركة ومضيق هرمز، نعم، والمفاوضات في شأن من سيسيطر على المضيق". لكن في الوقت عينه، أفادت تقارير صحافية عدة بأنه من المتوقع أن يرسل البنتاغون آلاف الجنود من "الفرقة 82" المحمولة جوًا، إحدى فرق النخبة، إلى المنطقة، حيث سيضافون إلى الآلاف من مشاة البحرية والبحارة الأميركيين الذين انطلقوا إلى الشرق الأوسط الأسبوع الماضي. وأكد البيت الأبيض أنه بينما يستكشف ترامب ومفاوضوه "هذا الاحتمال الدبلوماسي الجديد، تستمرّ عملية "الغضب الملحمي" بلا هوادة لتحقيق الأهداف العسكرية التي حدّدها القائد الأعلى للقوات المسلّحة والبنتاغون". كما قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث: "نرى أنفسنا أيضًا جزءًا من هذه المفاوضات، نحن نتفاوض بالقنابل...".
وكشف مصدر إيراني لشبكة "سي أن أن" أن "اتصالات" جرت بين واشنطن وطهران أخيرًا، لكنها لم تصل إلى مستوى مفاوضات كاملة، موضحًا أنه "جرى تلقي رسائل عبر وسطاء مختلفين لاستطلاع ما إذا كان من الممكن التوصّل إلى اتفاق". وأوضح أن "المقترحات الجاري النظر فيها لا تهدف فقط إلى تحقيق وقف للنار، بل إلى اتفاق ملموس ينهي النزاع"، مبديًا استعداد إيران "لتقديم كافة الضمانات اللازمة بأنها لن تطوّر أسلحة نووية أبدًا، لكنها تتمسّك بحقها في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية". وأصرّ على أن أيّ مقترح يجب أن يتضمّن أيضًا إنهاء كافة العقوبات المفروضة على إيران، فيما حسم الجيش الإسرائيلي أنه يواصل عملياته في إيران ولبنان "وفقًا لخطة ثابتة" بمعزل عن أي مفاوضات.
وأجرى وزيرا خارجية الصين وإيران محادثات هاتفية، دعا خلالها الوزير الصيني أطراف الأزمة الإيرانية إلى اغتنام كافة الفرص المتاحة لبدء محادثات السلام في أسرع وقت ممكن، مؤكدًا أن الحوار أفضل دائمًا من القتال. وبينما أفادت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن إيران وجّهت رسالة إلى الدول الأعضاء في المنظمة البحرية الدولية تؤكد فيها أن "السفن غير المعادية" يمكنها عبور مضيق هرمز، عبرت أول سفينة شحن مملوكة لصينيين الممر الآمن الإيراني في مضيق هرمز. ونقلت صحيفة "الغارديان" عن مسؤول في الدفاع البريطانية أن لندن بصدد عقد اجتماع يضمّ رؤساء أركان دول عدة، مخصّص للتباحث في سبل حماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
وفي ما يتعلّق بتداعيات عرقلة الملاحة في "هرمز" على العالم، أعلنت الفيليبين "حال طوارئ وطنية في مجال الطاقة"، موضحة أن الإعلان من شأنه أن يساعد الحكومة "على تنفيذ تدابير سريعة ومنسّقة بموجب القوانين القائمة لمعالجة المخاطر الناجمة عن الاضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية والاقتصاد المحلّي". وأكد الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية أن الإمدادات من خطوط الأنابيب البديلة لمضيق هرمز والاحتياطيات الاستراتيجية "لا تمثل حتى قطرة" مقارنة بتدفقات التصدير العادية. وذكرت أنقرة أنها تدرس اتخاذ تدابير مختلفة لحماية الاقتصاد من تداعيات الحرب.
في الأثناء، عيّنت إيران النائب السابق للقائد العام لـ "الحرس الثوري" وأحد غلاة المحافظين محمد باقر ذو القدر ليحلّ محلّ أمين المجلس الأعلى للأمن القومي المقتول علي لاريجاني. وسبق أن تقلّد ذو القدر مناصب أمنية رفيعة، منها نائب وزير الداخلية لشؤون الأمن، ونائب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلّحة، ومستشار رئيس السلطة القضائية لشؤون منع الجريمة. وترأس المقرّ الانتخابي لـ "الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية"، وهي فصيل سياسي متشدّد. ويشغل منذ عام 2022 منصب أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام.
ميدانيًا، هاجم الجيش الإسرائيلي المصنع الأهمّ في إيران لإنتاج المواد المتفجّرة في أصفهان، حيث هاجم أيضًا عشرات الأهداف التابعة للنظام باستخدام أكثر من 120 ذخيرة، من بينها مواقع إطلاق صواريخ باليستية، ومواقع إنتاج وسائل قتالية، ومنظومات دفاع تابعة للنظام الإيراني. وأكد أنه قضى على الخلية التي نفذت عملية إطلاق الصواريخ في اتجاه مدينة عراد الإسرائيلية سابقًا. كذلك، دمّرت القوات الأميركية أكثر من 9000 هدف عسكري داخل إيران، ما أدّى إلى تقويض كبير للقدرات القتالية للنظام الإيراني، حسب القيادة المركزية الأميركية. وأعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن أميركا وإسرائيل شنتا هجومًا على المنطقة المحيطة بمحطة بوشهر للطاقة النووية الإيرانية مساء أمس، موضحة أن الهجوم لم يحدث أي أضرار فنية أو يسقط قتلى أو جرحى استنادًا إلى التقارير الأولية. وواصلت طهران بدورها شن هجمات نحو إسرائيل، ما أدّى إلى إصابة عدد من الأشخاص أمس.
وفي إطار تحرّكات الخلايا الإرهابية الموالية لإيران في أنحاء العالم، تتعامل السلطات البلجيكية مع واقعة إضرام النار في سيارة في أنتويرب ليل الإثنين، والتي ألقت على أثرها القبض على قاصرَين، على أنها هجوم معاد للسامية. ونشرت بلجيكا الإثنين جنودًا في شوارع مدنها الكبرى لتعزيز الأمن في مواقع يهودية منها كُنسًا ومدارس. وتعرّض كنيسان يهوديان خلال الأسبوعين الماضيين للهجوم في لييج البلجيكية وروتردام الهولندية، كما تعرّضت مدرسة يهودية لهجوم في أمستردام.
ويقود ضباط مكافحة الإرهاب في بريطانيا تحقيقًا في هجوم استهدف سيارات إسعاف تابعة لمنظمة يهودية. وذكر موقع "سايت إنتلييجنس" أن جماعة مسلّحة متعدّدة الجنسيات موالية لإيران تدعى "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع قرب كنيس يهودي في غولدرز غرين في لندن، مشيرًا إلى أن الجماعة نفسها كانت وراء الحرائق التي اندلعت في لييج وروتردام وأمستردام.