المحامي محمد آصف ناصر

الخروج من التاريخ

9 دقائق للقراءة

في 09 شباط 967 م. توفي سيف الدولة الحمداني، موصيًا بولاية العهد لابنه المراهق أبو المعالي سعد الدولة، ونظرًا للتاريخ العائلي الدامي، والخلاف في سلالة حمدان بن حمدون بين بيت سعيد وعبد الله (والد ناصر الدولة وسيف الدولة)، عمد سيف الدولة إلى تقليد الوصاية لحاجبه قرعويه الكردي، مستبعدا وصاية أبي فراس، ابن عم سيف الدولة وشقيق زوجته.

أدت وصاية قرعويه إلى حكم الصبيان والغلمان، ما حمل أبي فراس إلى التمرد، ليُقتل على يد قرعويه وأوامر "ابن شقيقته" سعد الدولة في مصياف في 4 نيسان 968م. في آب 968م أي أربعة أشهر بعد مقتلة ابي فراس خرج سعد الدولة من حلب ليستطلع قلاعا قريبة، فأغلق قرعويه باب المدينة خلفه، وخرجت معه من بوابة حلب الدولة الحمدانية من بوابة التاريخ، وتحولت إلى دولة الغلمان التي وقعت اتفاقية صَفَر في كانون الأول من العام 969 مع بطرس الفَرّاج (Petros Pharragēs) أو بطرس الطواشي Petros the Eunuch ممثل الإمبراطور يوحنا زِمِسْكِس John I Tzimiskes، أدت اتفاقية صفر الشبيهة باتفاقية 17 أيار، إلى انقلاب لؤلؤ الجراحي (الأعجمي) على قرعويه، مُحوِّلا سعد الدولة إلى صورة يستمد من خلالها الشرعية ومن بعد ذلك ابنه سعيد الدولة وكان لؤلؤ الاعجمي ينتقل بين أحضان العزيز بالله الفاطمي ومن بعده الحاكم بأمر الله إلى أحضان باسيل الثاني المقدوني البيزنطي.

علويًا، كانت تلك الحقبة بداية المدرسة الخصيبية وعرفت فترة حكم قرعويه وخروج الدولة الحمدانية من التاريخ آخر سنتين قبل انتقال السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي، الذي دفن في حلب، وعرفت حقبة الشيخ محمد بن علي الجلي تضييقا على الخصيبيين في حلب من قبل قرعويه الكردي، وتلاه لؤلؤ الجراحي الاعجمي الذي في عهده هاجر مرجع العلويين السيد أبو سعيد بن القاسم الطبراني من حلب إلى قرية بسناده في اللاذقية.

في خضم تلك الحقبة وفي عين العاصفة التي كان بإمكان السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي التأثير في أحداثها عبر فتوى واحدة لم يتدخل الحسين بن حمدان الخصيبي ولا الشيخ الثقة محمد بن علي الجلي في مجريات الأحداث بالرغم من أن أبي فراس الحمداني كان من تلاميذ الشيخ، وكان بإمكان الشيخ الحسين بن حمدان في تلك الحقبة الايعاز لبني بويه أو لناصر الدولة التدخل في حلب لكن الحكمة الإلهية كان اتباع منهاج النبوة وفصل الدين عن الدولة حفظًا للدين بعيدا عن الدولة.

فلم يطلب الحسين بن حمدان الخصيبي من تلامذته ومريديه نصرة أبي فراس الحمداني ولا الدفاع عن دولة الحمدانيين علما أنه لو أراد أن يتدخلوا لأطاعوه، لكن السيد أبي عبد الله مشيئته من مشية الله ومشيئة الله ألا يختلط الدين بالسياسة.

على هذا النهج سارت المرجعيات الروحية للعلويين في اجتماع الشيخ بدر في 09/12/2024، فاعترفوا قبل ترمب بالسلطة الجديدة، وبسطوا غصن الزيتون والتزموا أحكام الدولة وسيادة القانون، الإسلام السياسي الأعجمي كان له رأي آخر، فأجاب بــ"عوي ولاك"، و"سبحان من أعزنا وأذلكم" و"هاجر أنت لست بشجرة"، فتحول الموقف من انعزال عن السياسة دام منذ أيام فيثاغوراس إلى ضرورة وجودية إذ أصبح الاعتداء يتجاوز حدود دهاليز السياسة إلى حق الانسان بالحياة.

نعم، كما خرج سعد الدولة من بوابة حلب خرج بشار حافظ الأسد من بوابة دمشق، وبين الخروجين قاسم مشترك واحد: العجم.

في المراسلات التي سبقت سقوط دمشق يتضح في وثائق الخذلان أن علي الخامنئي باع سوريا بعد أن أفرغ مخازن سلاحها في حرب إسناد لم يكلف نفسه خوضها، فجاء "وعده الصادق" واحد واثنين خيانة لدم السيد حسن نصر الله، لم يقدم علي الخامنئي في وعده الصادق على إيلام إسرائيل بل أرسل مسيرات وصواريخ استغرق وصولها إلى إسرائيل أكثر من أربع ساعات ردا على دم "الشهيد الأسمى"، وفي لبنان لم يسقط قائد واحد بل ثلاثة: السيد حسن نصرالله، السيد هاشم صفي الدين، والشيخ نبيل قاووق. فقال نتانياهو قتلنا نصر الله وخليفته وخليفة خليفته، ومع ذلك لم ترد إيران إلا بألعاب نارية لم تؤذ ولم تغن من إذلال.

أثبتت حرب الاسناد في العام 2024 كذب سردية محور الممانعة وصدق سردية العدو، وكان المحور في زمن السيد يفاخر بصدقه وكذبهم، فإذا بالإسرائيلي يثبت سرديته ويخرج المحور بخفي حنين وببضع الدموع. وفي تشييعه قدم الإسرائيليون تحية لرفاته وشاركوا مرتين في أداء التحية العسكرية، لوجه مهيار الذي خانه عاشقوه.

بشار الأسد والخروج من التاريخ.

بشار الأسد ليس حافظ الأسد، هو نسخة أقرب لسعد الدولة، قاد المواجهة بديماغوجية، وتغافل قصدا عن الحقائق الوضعية في زمن التغيرات الجسام، لكنه لم يكن خائنا كما أشاع أمير موسوي وصدقيان وذبابهما.

بشار الأسد مارس النقاء القومي حتى النخاع، فرفض المنطوق الطائفي ومفهومه ونكل بالضباط العلويين الذين عشقوه وعشقوا والده فداء لعقيدته القومية العربية، ولم يقبل حتى في أحلك ساعات المواجهة أن يميل قيد أنملة عن مفاهيمه القومية العلمانية، في زمن طائفي ضحى بشار حافظ الأسد بولاء طائفته فداء لمعتقده القومي. لم يكن يقبل الرجل حتى استقلال طائفته عقائديا عن دين الأمة ففرض على العلويين أن يكونوا جزءا من المجلس الفقهي المسلم وأخضعهم رغما عنهم للمذهب الحنفي وكان المشايخ العلويون – أعني بذلك مشايخ السلطة الذين أعلنوا الولاء للجولاني لاحقا- يتنافسون في أداء فروض الطاعة لمحمد عبد الستار السيد وزير الاوقاف في زمن بشار الأسد.

كانت المقاومة الحقيقية الوحيدة التي قادها الشيخ الشهيد شعبان منصور الذي عانى ما عاناه في زمن بشار الأسد وزوجته أسماء الاخرس، واستشهد في زمن الجولاني.

بشار الأسد كان وفيا لمعتقداته، فهو كما سعد الدولة أخضع طائفته لسلطان الحشويين والإسلام السياسي، ونكل بشرفاء طائفته معتزلا الطائفية ظانا أنه بذلك يدعم العروبة والعلمانية ويتبنى السياق العقائدي الذي يتمنى. ولكن:

صدق الرجل وحلفاؤه كذبوا. بالإضافة إلى تصريحات أمير موسوي وعروض الأربعة تريليون دولار استثمارات، التي قدمتها إيران الخامنئي إلى ترمب فيما كان ينزف حزب الله اللبناني يوميا، أثبتت وثائق ظهرت إلى العلن في كانون الثاني 2026، أن علي الخامئني تراسل مع بشار الأسد في 5 كانون الأول 2024، وأنه أثبت انسحابه من دعم الأسد، وجاء مقالات إبراهيم الأمين ومداخلات صدقيان والموسوي وطنينهما الالكتروني والإعلامي في لوم الأسد لارتمائه بالحضن العربي أكبر دليل على صفقة البيع التي مارسها الإيراني مع حليفه التركي: فالتركي والإيراني يتبعان الاسلام السياسي اللندني وكما غدر اردوغان بالأسد أجهز عليه الخامنئي. لم يكن ذلك بسبب غدر أو بيع بل بسبب وفاء غير ناضج لمفاهيم عقائدية غير براغماتية، فالخامنئي وأردوغان كانا براغماتيين، وصوليين أما الأسد فقد كان إيدلويوجيا ديماغوجيا.

أدرك الأسد متأخرا مآل الحرب، فقرر الخروج منفردا مع الحد الأدنى من سفك الدماءـ فلو أنه قاتل حتى النهاية لانقضت الحياة في الساحل الشرقي للمتوسط، ولكانت المفاعلات النووية في بملكة وحلب سببا في اندثار الحياة. فالأسد رغم أخطائه الاستراتيجية فضل الخروج من التاريخ بالحد الأدنى من الخسائر الإنسانيةـ أما جماعة الحرس الثوري فيبتزون المجتمع الدولي بمفاعل بوشهر ومفاعل كارون ومفاعل ديمونا، فهؤلاء عندما بنوا المفاعلات النووية جعلوا المفاعلات أصفهان وفوردو ونطنز الموجودة في المناطق الفارسية مؤمنة في أعماق الأرض لا يمكن أن تؤذي المحيط، أما مفاعلي بوشهر وكاورن الموجودان في المنطقة العربية فتم بناءهما على سطح الأرض وبالقرب من الموارد المائية الجوفية، وبنوع من الابتزاز النووي، خرج عباس عرقجي يهدد بكارثة نووية في بوشهر وكارون فاتخذ العرب رهائن، وفي هذا لم يهتم للشيعة في جنوب العراق، وفي قصفه لمفاعل ديمونا لم يهتم للشيعة في جنوب لبنان فجميعهم أضرار جانبية في سبيل تحقيق مشروع الاسلام السياسي.

في خروجه من التاريخ لم يهتم الإسلام السياسي لاستمرار الحياة، كما فعل النازيون، فاتخذ الحياة دريئة ورهينة ظانا أنه يستطيع ليّ إرادة التاريخ والتحكم بمساره.

هذا السياق الغريب، الذي يقايض فيه الإسلام السياسي الأعجمي البقاء مقابل استمرار الحياة، تتساقط أوراق التوت: فيثبت خواء الإسلام السياسي الاعجمي من المعنى اليقيني كما يثبت دعم محمود قماطي لمن لا لحية له المذموم في حديث مرفوع إلى المولى الصادق مع المفضل بن عمر فيقول المفضل: يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته ولا ينبت الشعر في وجهه وإن بلغ الكبر، فقال عليه السلام: "ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد" فمن هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شيء من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا، بعد أن لم يكن، ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان، فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير، فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال، ، لأنهما ضد الإهمال وهذا فظيع من القول وجهل من قائله. لأن الإهمال لا يأتي بالصواب والتضاد لا يأتي بالنظام تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا. (كتاب توحيد المفضل، الطبعة الأولى، الصفحة 14، تحقيق كاظم المظفر، منشورات مكتبة أحمد عيسى الرواد)

في هذه اللحظات التاريخية المصيرية، حيث يعاد ترتيب العالم، يحسب الإسلام السياسي الاعجمي أنه يستطيع اتخاذ الحياة رهينة للحؤول دون خروجه من التاريخ، الفكرة الوحيدة التي يستحيل خروجها من التاريخ هي العقائد الازلية، فهي خارج التاريخ وتؤسس على مبادئ وجودية، أما الأفكار المصلحية الآنية كالدولة والسياسة فتنشأ في التاريخ وتخرج منه كما خرج سعد الدولة وبشار الأسد، وعليه فإن العقيدة تختلف عن الدولة، ولا يحق لأحد مهما علا شأنه أن يخضع العقيدة الدينية للتاريخ، فالتاريخ زائل أما الآب فباق.

وهنا أستذكر آخر بيتين نظمهما أبو فراس:

أبنيتي لا تجزعي كل الأنام إلى ذهاب

نوحي علي بحسرة ما بين سترك والحجاب

قولي إذا ناديتني وعييت عن رد الجواب

زين الشباب أبا فراس لم يمتع بالشباب.