أورنيلا سكر

إيران وعقيدة الفسيفساء والحزام الناري: هندسة النفوذ في زمن الحروب الهجينة

5 دقائق للقراءة

في خضمّ التصعيد الإقليمي المتسارع، لا يمكن قراءة الدور الإيراني في الشرق الأوسط من زاوية تقليدية تختزل سلوكها في ردود فعل ظرفية أو سياسات آنية. فإيران، منذ قيام الثورة الإسلامية، بنت لنفسها عقيدة استراتيجية مركّبة، تقوم على ما يمكن تسميته بـ"عقيدة الفسيفساء" و"الحزام الناري"، كإطارين متكاملين لإدارة النفوذ والصراع في بيئة إقليمية معقدة.

أولًا: عقيدة الفسيفساء – تفكيك القوة وإعادة تركيبها

تعتمد "عقيدة الفسيفساء" على مبدأ تفكيك الجغرافيا السياسية إلى وحدات نفوذ غير مركزية، تُدار عبر فاعلين محليين يتشاركون مع إيران في الأيديولوجيا أو المصالح أو العداء المشترك. لا تسعى طهران إلى السيطرة المباشرة، بل إلى بناء شبكة متداخلة من القوى، أشبه بقطع فسيفساء متفرقة، لكنها تشكّل في مجموعها صورة استراتيجية متكاملة.

يتجلّى هذا النموذج في دعم إيران لقوى غير دولية في أكثر من ساحة، من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن، حيث تتحول هذه القوى إلى أدوات ردع متقدمة وخطوط دفاع أولى خارج الحدود الإيرانية. وهنا، تصبح الدولة الوطنية أقل مركزية، فيما تتقدم "الشبكة" كبديل استراتيجي مرن، قادر على التكيف مع الضغوط العسكرية والسياسية.

لذلك، فإن إسرائيل تواجه تحديًا كبيرًا، وتعجز عن مواجهة هذه الاستراتيجية المصمّمة لإنهاك تل أبيب واستنزافها في حروب طويلة الأمد، ضمن شبكة متفككة عن الإدارة المركزية. وهذا يدلّل على أن عمليات اغتيال المرشد علي خامنئي، وقبله العلماء النوويين، تثبت أهمية هذه الاستراتيجية في تحويل الجغرافيا العربية إلى خط دفاع أول عن إيران، وتطويق إسرائيل بجبهات متعددة، بحيث لا تستطيع شن حرب حاسمة بسهولة، بهدف تحقيق توازن قوى، وبخاصة مع استخدام طهران صواريخ باليستية فرط صوتية مصمّمة لاستهداف القبة الحديدية الإسرائيلية والرادارات الأمريكية والإسرائيلية، ومنظومة "مقلاع داوود". الأمر الذي أنهك تل أبيب، وهذا بالتحديد ما سيعيد حسابات الحرب، ويمنح إيران تفوقًا استراتيجيًا وعسكريًا يمنع حسم الحرب لصالح إسرائيل.

ومن المتوقع أن تكون حربًا استنزافية طويلة الأمد، تمنع إسرائيل من تحقيق الأهداف التي أعلنت الحرب من أجلها، أي إسقاط النظام وتدمير الأنظمة الصاروخية الباليستية والمشروع النووي. ويعود ذلك إلى النظرة والاستراتيجية الإسرائيلية القاصرة في فهم إيران والبناء الأيديولوجي الثوري فيها، الذي تم هندسته لردع إسرائيل وضرب قوة الردع لديها التي لا تُقهر.

باعتقاد إسرائيل، كانت تعتقد أن بقتل المرشد يسقط النظام، ويتم تسهيل عملية اجتياز إيران وتقسيمها وتفتيتها داخليًا والسيطرة عليها، غير أن إيران فاجأت واشنطن وتل أبيب بجهوزيتها واستراتيجيتها الاستنزافية طويلة الأمد، التي تتحرك وفق وحدات منفصلة عن المركز. ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب:

الحرب العراقية الإيرانية

الغزو الأمريكي للعراق عام 2003

حروب أمريكا وإسرائيل في الشرق الأوسط

إن هذه الأسباب مكّنت إيران من تطوير نقاط ضعفها في أي مواجهة مستقبلية، وفق استراتيجية ذكية تقوم على شبكة معقدة من الحزام الناري لإنهاك الخصم وشلّ قدراته وتفوقه العسكري، عبر حرب ضمن الحروب وقوة غير متكافئة. وهذا ما ظهر في سوريا ولبنان، بالرغم من خلع النظام والاغتيالات الممنهجة وقتل سماحة السيد نصرالله والحصار الاقتصادي.

ثانيًا: الحزام الناري – تطويق الخصم وتآكله

أما "الحزام الناري"، فهو الامتداد العملياتي لعقيدة الفسيفساء. يقوم هذا المفهوم على إنشاء طوق جغرافي من بؤر التوتر حول الخصم، خصوصًا إسرائيل، بما يضمن استنزافه المستمر وحرمانه من القدرة على خوض حرب نظيفة أو حاسمة.

هذا الحزام ليس جبهة واحدة، بل جبهات متعددة منخفضة الحدة، قابلة للاشتعال في أي لحظة. من جنوب لبنان إلى الجولان في سوريا، مرورًا بتهديدات البحر الأحمر من اليمن، يتشكل مشهد استراتيجي يجعل أي مواجهة شاملة مكلفة ومعقدة.

ثالثًا: بين العقيدتين – تكامل لا تناقض

لا يمكن فهم "الحزام الناري" دون "الفسيفساء"، فالأولى هي النتيجة الطبيعية للثانية. الشبكات المحلية التي تبنيها إيران تتحول إلى منصات إطلاق جيوسياسية تُستخدم لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.

هذه الاستراتيجية تمنح إيران ميزتين أساسيتين:

الإنكار المقبول: إذ يمكنها التنصل من بعض العمليات عبر وكلائها.

المرونة التكتيكية: حيث يمكن فتح أو تجميد الجبهات بحسب الحاجة.

رابعًا: هل تستطيع إسرائيل كسر المعادلة؟

رغم التفوق العسكري والتكنولوجي لإسرائيل، بما في ذلك قدراتها الاستخباراتية وعملياتها النوعية داخل العمق الإيراني، فإن مواجهة عقيدة الفسيفساء تبقى أكثر تعقيدًا من ضرب هدف مركزي واضح.

فالنجاح في اختراق أو تصفية عنصر هنا أو هناك لا يعني تفكيك الشبكة ككل، بل على العكس، قد يؤدي إلى إعادة إنتاجها بشكل أكثر انتشارًا وأقل قابلية للاختراق.

خامسًا: ما بعد الحرب – نحو نظام إقليمي جديد؟

ما نشهده اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري، بل صراع بين نموذجين:

نموذج الدولة المركزية التقليدية

ونموذج الشبكات العابرة للحدود

في هذا السياق، تبدو إيران وكأنها سبقت خصومها في تبنّي حروب الجيل الجديد، حيث تختلط الجغرافيا بالعقيدة، والدولة بالفاعل غير الرسمي، والحرب المباشرة بالاستنزاف الطويل.

ختاما، "عقيدة الفسيفساء" و"الحزام الناري" ليستا مجرد مفاهيم نظرية، بل هما جوهر الاستراتيجية الإيرانية في إدارة الصراع. وبينما يسعى خصومها إلى المواجهة المباشرة، تراهن طهران على الزمن والتآكل وتعدد الجبهات.

وفي منطقة لم تعرف يومًا الاستقرار، يبدو أن هذه العقيدة قد لا تكتفي بإعادة رسم خرائط النفوذ، بل قد تعيد تعريف معنى الحرب نفسها.

*أورنيلا سكر : صحافية لبنانية متخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستشراقية .