بعد صراع شجاع مع المرض الخبيث، واجهه بصلابة حتى الرمق الأخير على المسرح مغنّيًا لجمهوره في أشدّ لحظات ألمه ومعاناته، رحل أمس الفنان أحمد قعبور طاويًا فصلًا من تاريخ الأغنية الملتزمة بقضايا الوطن والمجتمع والإنسان. التزامٌ لم يكن بالنسبة للفنان الراحل تحجّرًا في موقف وتجمُّدًا في زمن، بل كان خلال مساره جاهزًا لإجراء المراجعات المناسبة في الوقت المناسب لقضية أو خط سياسي أو موقف عبّرت عن قناعاته. والتزامٌ لم يحل دون تواصله مع الآخر ولم يكن سببًا في قطع النقاش والحوار.
سياسة ونقاش
في بيروت وُلد الراحل أحمد محمود قعبور سنة 1955. والده محمود الملقب بـ "الرشيدي" كان من أوائل عازفي الكمان في لبنان. زوجته هي الفنانة التشكيليّة إيمان بكداش، ولهما سعد ومروان.
في "الكليّة البطريركية" في بيروت أتمّ الراحل دراسته الابتدائية، قبل أن يُكمِل المرحلة المتوسطة في "ثانوية البرّ والإحسان الرسميّة". بين عامَي 1972 و 1973، تابع دوامًا نهاريًا في "دار المعلّمين" ودوامًا ليليًا في المدرسة الثانوية.
نشأ قعبور في وسط شعبيّ وكانت السياسة والنقاشات جزءًا من يوميّاته في قضايا الوطن والمجتمع. وفي بيته الوالديّ سمع حكايات جدّه خليل آخر راعي غنم في بيروت، كما ألف نغمات أوتار كمان أبيه ومن خلالها اكتشف الموسيقى التي سكنته طفلًا وسيفجّرها شابًا في أعمال ستبقى حاضرةً طويلًا بعد غيابه عن هذا العالم. تتلمذ قعبور على الموسيقيّ سليم فليفل الذي نقل إلى تلميذه أهمية العلاقة بين الكلمة واللحن.
ومع اندلاع الحرب في لبنان سنة 1975، عمل على تنظيم اللجان الشعبية لدعم المواطنين في مواجهة الأحداث. في ذلك المناخ المتشنّج الذي عصف بالبلد ونقله من حال إلى حال، لحّن وأدّى قعبور أولى أغنياته: "أناديكم"، من نظم الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد. أغنيته "الأيقونيّة" هذه تُرجمت إلى حوالى أربع لغات، واستمع إليها أكثر من خمسة ملايين متابع على وسائل التواصل الاجتماعي.
اشتداد الحرب لم يمنع أحمد قعبور من متابعة دراساته العليا. ففي العام 1978 التحق بـ "معهد الفنون الجميلة - قسم المسرح" في "الجامعة اللبنانية"، وتخرّج حاملًا دبلومًا في المسرح.
غناء وتمثيل
تزامنًا وابتداءً من سنة 1975، أحيا الفنان الراحل مئات الحفلات ضمن لجان ثقافية وتربوية واجتماعية، وساهم بفعاليّة في إنتاج أعمال غنائية ومسرحية للأطفال، بدءًا بـ "فرقة السنابل" مرورًا بعدد من مؤسسات الرعاية، وصولًا إلى "مسرح الدمى اللبناني". كذلك شارك المؤلّف والملحّن والمغنّي الراحل في أمسيات غنائية ضمن العديد من المهرجانات اللبنانية والدولية، منها مهرجانات بيت الدين، وعنجر، وأخرى في بيروت والجنوب والشمال. كما جال في أكثر من اثنتي عشرة عاصمة أوروبية وعدّة عواصم عربية محييًا حفلات للجاليات اللبنانية والعربية فيها، حيث غنّى العديد من العناوين التي حفظتها ذاكرة الجمهور الذي أحبّ نمط ومضمون وقضايا أغنيات أحمد قعبور، ومن بينها: "علوا البيارق" - "يا نبض الضفة" - "يا رايح صوب بلادي" - "والله وطلّعناهم برّا" - "يا حرش بيروت" - "أحنّ إلى خبز أمي" التي أدّاها أيضًا بلحن آخر الفنان مارسيل خليفة.
وإلى أعماله الغنائيّة نشط الفنان أحمد قعبور في الوسط الإعلامي، حيث ترك بصماته في العديد من الوسائل الإعلامية التي كتب ولحّن لها شاراتها ورسم هويّتها الموسيقيّة، منها "إذاعة صوت الشعب" و "إذاعة الشرق"، و "تلفزيون المستقبل" خصوصًا في سلسلة أغنيات "لعيونك" - "بتمون"- "روح شوف مستقبلك" وغيرها بالتعاون مع "فرقة الطرابيش"، إضافةً إلى العديد من وسائل الإعلام العربية.
أطلّ الراحل أحمد قعبور في عدد من الأدوار التمثيليّة في أفلام ومسلسلات منها: "ندم" - "ناجي العلي" - "البحث عن صلاح الدين" - "أبو الطيب المتنبي" - "النار بالنار". وطالما رغب في أداء شخصيّة القياديّ الفلسطيني وديع حدّاد، فكان له ذلك سنة 2010 في فيلم "كارلوس" للكاتب والمخرج الفرنسي أوليفييه أساياس، وكان قعبور حاضرًا مع أسرة العمل خلال عرضه ضمن فعاليات "مهرجان كان السينمائي".
عندما سُئل صاحب "بدي غنّي للناس" أيّ أغنية هي الأقرب إلى قلبه، أجاب: "تلك التي لم أؤلّفها بعد"، علمًا أنه ألّف الكثير ضمّنها ألبوماته ومنها: "أناديكم" - "حب" - "نحنا الناس" - "صوتن عالي" - "أحمد قعبور يغنّي عمر الزعني" - "لمّا تغيبي" - "كلمات وأغاني" و "حبّات الرمّان" (للأطفال) - وأغنيات رمضانية ضمن ألبوم "حكاية رمضان - رمضانيات". كذلك ساهم في التلحين والغناء لمسرحيّات عدّة للأطفال، أبرزها أغنيات مسرحيّتَي "شو صار بكفر منخار" لكريم دكروب، و "كلّو من الزيبق" لفائق حميصي وكريم دكروب.
تودّع بيروت ابنها أحمد قعبور ظهر اليوم الجمعة في "مسجد الخاشقجي" ثمّ يوارى في ثرى "جبّانة الشهداء". وتقبل التعازي حتى يوم الأحد في قاعة "نادي خرّيجي الجامعة الأميركية" - شارع الوردية (الحمراء) بين الساعة 3:00 بعد الظهر و 7:00 مساءً.
