لبنان اليوم ليس أمام أزمة عابرة بل أمام لحظة وجوديّة قد تحدّد إن كان سيبقى دولة أم يتحوّل إلى ساحة مفتوحة للفوضى. بين وجع الناس وعجز السلطة، يقف الوطن على حافة الهاوية، فيما القرار الذي يمكن أن ينقذه ما زال مؤجّلًا.
لم يعد وجع اللبنانيين تفصيلًا في يوميات هذا البلد. أصبح هذا الوجع هو الصورة الكاملة التي يعيشها شعب بأكمله. شعب يئنّ تحت ثقل الانهيار، شباب يهاجرون بلا عودة، عائلات تقاتل يوميًا لتبقى على قيد الحياة، فيما الدولة تبدو كأنها خارج الزمن، عاجزة أو متردّدة أو غير مدركة حجم الكارثة التي تضرب لبنان في عمق كيانه.
لبنان اليوم لا يعيش مجرّد أزمة اقتصادية خانقة ولا أزمة سياسية عابرة. لبنان يعيش أزمة دولة حقيقية، أزمة سلطة فقدت القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي يصبح فيها القرار مسألة حياة أو موت لوطن بكامله. البلد ينحدر بسرعة، والمؤسّسات تتآكل، والاقتصاد ينهار، واللبنانيون يُتركون وحدهم في مواجهة مصير قاتم، فيما من يفترض أنهم في موقع المسؤولية يكتفون بالمراقبة وكأن ما يجري لا يعنيهم.
المشهد اليوم يوحي وكأن لبنان أصبح بلدًا محاصرًا، ليس فقط بالضغوط الخارجية أو بالأزمات المالية، بل أيضًا بالعجز الداخلي والشلل السياسي الذي أصاب مؤسسات الدولة. وكأن هناك من قرر أن يترك هذا البلد ينهار ببطء من دون أي محاولة جدية لوقف هذا الانحدار الخطير. الأخطر من الانهيار نفسه هو هذا الجمود القاتل في القرار، هذا التردّد الذي أصاب السلطة حتى بدت وكأنها فقدت القدرة على إدارة الدولة في لحظة مصيرية من تاريخها.
المسؤولية هنا لا يمكن التهرّب منها. المسؤولية تقع أولًا على عاتق الدولة اللبنانية بكل مؤسّساتها وسلطاتها. لأن الدولة التي تعجز عن اتخاذ القرارات المصيرية عندما يكون الوطن في خطر تتحوّل عمليًا إلى هيكل فارغ. وفي وسط هذا الانهيار الشامل وجد اللبنانيون أنفسهم مرّة جديدة أمام واقع خطير تمثل في إدخال لبنان في معركة كبرى من دون قرار وطنيّ جامع ومن دون العودة إلى المؤسسات الدستورية التي يفترض بها أن تقرّر مصير البلاد.
قرار الحرب والسلم ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه. إنه القرار الأخطر الذي يمكن أن يحدّد مصير شعب ووطن. ومع ذلك وجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع فرض عليهم من خارج الدولة ومن خارج مؤسساتها. وهذا بحدّ ذاته خلل خطير في مفهوم السيادة وفي فكرة الدولة نفسها. لكن مهما كان حجم هذا الخلل، فإن المسؤولية الكبرى تبقى على عاتق الدولة، لأن الدولة التي تسمح بأن يُصادر قرارها أو يُفرض عليها واقع الحرب من خارج مؤسّساتها تتحمّل مسؤولية الانهيار في هيبتها ودورها.
لبنان يقف اليوم أمام لحظة خطيرة لا تحتمل المماطلة ولا المزيد من الحسابات الضيقة. لم يعد مقبولًا أن تستمر حالة الشلل بينما البلد يقترب أكثر فأكثر من حافة الانهيار الكامل. في مثل هذه اللحظات لا تُدار الدول بالبيانات ولا بالتصريحات السياسية، بل بالقرارات الحاسمة التي تعيد الاعتبار للدولة وهيبتها.
ولهذا يصبح من الضروري أن ينعقد فورًا المجلس الأعلى للدفاع برئاسة رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلّحة، لأن هذه المؤسسة هي المرجعية التي تمتلك صلاحية اتخاذ القرارات الاستثنائية عندما يصل الوطن إلى مرحلة الخطر الوجودي. انعقاد هذا المجلس اليوم لم يعد خيارًا سياسيًا، بل أصبح واجبًا وطنيًا ملحًّا لوقف حالة الانهيار والتفلّت التي تهدّد الدولة في أساسها. وفي هذه المناسبة يجب إعلان حالة الطوارئ العسكرية، وهو إجراء استثنائي يمنح الجيش كامل الصلاحيات لإدارة الأمن الوطني في مواجهة الخطر الداهم، بما في ذلك اتخاذ إجراءات صارمة مثل فرض قيود على الحريات العامة، منع التجوّل، مصادرة الممتلكات، وضمان محاكمة المخلّين بالأمن الوطني إذا اقتضت الضرورة الأمنية، وكل ذلك لضمان حفظ الدولة ومنع أي انهيار أمني.
القرار المطلوب واضح وصريح ويتمثل في إعلان حالة الطوارئ في لبنان وتكليف الجيش اللبناني الانتشار الفوري والحازم على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء لأي منطقة. الجيش اللبناني هو المؤسسة الوطنية الجامعة وهو الجهة الشرعية الوحيدة التي يمكنها فرض الأمن وإعادة الاعتبار لسلطة الدولة عندما تصل البلاد إلى هذه المرحلة من الخطورة.
إن إنزال الجيش إلى كل مناطق لبنان يجب أن يكون قرارًا حازمًا لا يحتمل التردّد أو التسويات. عندما تكون الدولة مهدّدة في وجودها تصبح هيبة القانون فوق كلّ اعتبار، ويصبح فرض الأمن والاستقرار مسؤولية لا يمكن تأجيلها أو التراجع عنها. أمن اللبنانيين ليس تفصيلًا ولا ورقة تفاوض في لعبة السياسة بل هو الواجب الأول للدولة وسبب وجودها الأساسي.
أمّا الاستمرار في سياسة الانتظار والتردّد فهو الطريق الأسرع نحو الفوضى الشاملة. ولهذا نقولها بوضوح كامل إن هذه الحكومة إذا كانت غير قادرة على اتخاذ القرارات التي تحمي لبنان وتنقذه من هذا الانهيار فعليها أن تتحمّل مسؤوليتها وأن تستقيل. أما إذا كانت الدولة تريد فعلًا إنقاذ البلد فعليها أن تتحرّك فورًا عبر المجلس الأعلى للدفاع وأن تعطي الجيش اللبناني القرار الحازم للانتشار وفرض الأمن وإعادة الاعتبار الكامل لسلطة الدولة.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى خطابات جديدة، بل إلى قرار شجاع يعيد للدولة سلطتها فورًا… لأن التأخر في اتخاذ القرار لم يعد خطأ سياسيًا، بل أصبح مشاركة مباشرة في سقوط الوطن.