شارل جبور

هل بدأت نهاية الدور الإيراني في لبنان؟

5 دقائق للقراءة

لا يمكن فصل القرار الذي اتخذته وزارة الخارجية اللبنانية، بإبلاغ القائم بالأعمال الإيراني في بيروت سحب الموافقة على اعتماد السفير المعيّن محمد رضا شيباني وإعلانه شخصًا غير مرغوب فيه، عن السياق الأعمق لطبيعة الحضور الإيراني في لبنان. فهذا القرار، بما يحمله من دلالات سياسية تتجاوز الإطار الدبلوماسي، يعيد إلى الواجهة ما سبق أن أشار إليه المفكر والباحث وضاح شرارة، حين شدّد على أن توصيف الحالة الإيرانية في لبنان بالاحتلال ليس دقيقًا، لأن ثمة ما هو أسوأ من الاحتلال: "الاستدخال".

وقال شرارة حرفيًا: "ليس صحيحًا أن هناك احتلالًا إيرانيًا، لسبب أسوأ من الاحتلال. المؤرخون العرب والمسلمون يستخدمون مصطلح الاستدخال، وهو يعني الأخذ من الداخل، على غرار نموذج حصان طروادة، وهو أصعب وأسوأ من الاحتلال".

وتحدّث شرارة عن "سلطنة إيرانية" لا عن "دولة إيرانية"، مقدّمًا توصيفًا أدق لتمدّد مشروعها، الذي لا يتكئ مباشرة على الجيش أو الحرس الثوري الإيراني كي يُوصَف بالاحتلال، بل يستند إلى قوى محلية تتبع المذهب نفسه أو تُستمال بالمال والسلاح. وهذا ما اعتبره أسوأ من الاحتلال، وأطلق عليه مصطلح "الاستدخال"، لأن الاحتلال يأتي بجيوش واضحة المعالم، فيما يعيد الاستدخال تشكيل البنية الداخلية نفسها لتصبح أداة بيد الخارج.

ومن هنا، تبدو المقارنة ضرورية بين التجارب التي عرفها لبنان. فعلى الرغم من أن الوجود العسكري الأسدي في لبنان كان احتلالًا فعليًا مفروضًا بقوة الأمر الواقع، فإنه لم يتمكّن من التحوّل إلى حالة بنيوية داخل المجتمع اللبناني. صحيح أن النظام الأسدي حظي بحلفاء ومؤيدين، وأن بعض القوى سايرته تحت وطأة الخوف، إلا أنه لم ينجح في تكوين حالة داخلية متجذرة في النسيج اللبناني، وبقي حضوره قائمًا على مزيج من القوة والتحالفات السياسية.

وفي سياق مختلف، استطاعت الثورة الفلسطينية، في مراحل معينة، أن تلامس وجدان شريحة واسعة من السنة في لبنان، ما منحها نوعًا من الحضور الشعبي، وإن كان هذا الحضور لا يُقارن بالحالة الإيرانية الراهنة. فالتشابه يقتصر على البعد الوجداني الطائفي، لا على العمق البنيوي.

أما الحالة الإيرانية، من خلال "حزب الله"، فتُعدّ الأكثر تعقيدًا في تاريخ لبنان الحديث. إذ نجحت إيران، عبر مشروعها التوسّعي، في إنشاء حالة تبدو لبنانية في الشكل، لكنها إيرانية في الجوهر والممارسة. وهذا ما قصده وضاح شرارة بمفهوم "الاستدخال": أن تتسلل دولة إلى داخل دولة أخرى عبر مكوّناتها، فتُمسك بها من الداخل لا عبر الاحتلال المباشر. فمن السهل ترحيل الثورة الفلسطينية وإخراج جيش الأسد، لكن ليس من السهل ترحيل "حزب الله" من لبنان.

انطلاقًا من هذا الفهم، يكتسب القرار اللبناني الأخير أهمية استثنائية. فهو لا يوازي، من حيث رمزيته، خروج الجيش الأسدي من لبنان في نيسان 2005 فحسب، بل يتجاوزه دلالةً، لأنه يستهدف بنية "الاستدخال" نفسها، لا مجرد وجود عسكري أو أمني مباشر. فإيران، بعد أكثر من ربع قرن على ترسيخ نفوذها، وصلت إلى قناعة بأنها أصبحت جزءًا من البنية السياسية والاجتماعية اللبنانية، وأن لبنان بات ساحة من ساحاتها المرتبطة بمشروعها الإقليمي.

غير أن هذا القرار يشكّل رسالة واضحة بأن هذا الربط لم يعد قائمًا، وأن مرحلة "الاستدخال" التي عملت عليها إيران قد بلغت نهايتها. فالمسألة لا تتعلق بشخص السفير المعيّن، بل بإعلان سياسي صريح بأن النفوذ الإيراني في لبنان لم يعد مقبولًا كأمر واقع، وأن استعادة القرار الوطني باتت أولوية.

ولا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الإقليمي الأوسع. فقد ارتكبت إيران خطأً استراتيجيًا حين وجّهت معظم اعتداءاتها نحو دول الخليج، رغم أن هذه الدول كانت قد اختارت سياسة النأي بالنفس والسعي إلى تخفيف التوتر. وتشير الوقائع إلى أن نحو 80 % من هذه الاعتداءات طاولت الخليج، مقابل نسبة أقل بكثير استهدفت الولايات المتحدة أو إسرائيل، ما أدى إلى استنفار عربي ودولي في مواجهة المشروع الإيراني.

في هذا الإطار، يبدو القرار اللبناني جزءًا من مسار أوسع، يمكن وصفه بأنه قرار عربي - دولي بإنهاء مرحلة "الاستدخال" الإيراني، ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة ككل. إنها نهاية حقبة بدأت في تسعينات القرن الماضي عبر الشراكة بين النظام الإيراني والنظام الأسدي، واستمرت بعد عام 2005 من خلال "حزب الله"، الذي تحوّل إلى الأداة الرئيسية لهذا المشروع.

اليوم، يوجّه لبنان رسالة شبيهة بتلك التي أنهت الوصاية الأسدية: لم يعد مقبولًا أن يكون البلد جزءًا من مشروع إيراني. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف سيتعامل "حزب الله" مع هذه المرحلة الجديدة؟ هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة، خصوصًا أنه خرج في 8 آذار 2005 ليقول: "شكرًا سوريا، وسنكمل مسيرتك في لبنان".

لكن الثابت أن القرار قد اتُخذ، وأن مسار إنهاء "الاستدخال" قد بدأ، عبر خطوتين بالغتَي الأهمية: نزع سلاح "حزب الله" وفك ارتباط إيران بلبنان. ولم يكن لهذا التطور أن يحصل لولا تبدّل موازين القوى في المنطقة ولبنان، ولولا اعتداءات إيران على الخليج، ولولا إقحامها لبنان في حربها في 2 آذار. وإذا كان خروج جيش الأسد من لبنان قد بدأ عدّه العكسي في 14 آذار 2005، فإن العدّ العكسي لإنهاء "الاستدخال" الإيراني بدأ مع قرارات الحكومة في 5 آب و2 آذار، وتُوِّج بقرار 24 آذار بطرد السفير الإيراني المعيّن.

وبمعزل عن ردّ وكيل إيران في لبنان أو ربطه النزاع بالقرارات الصادرة، فإن مسار الأمور يتجه نحو التطبيق على أرض الواقع لثلاثة أسباب رئيسية: إسرائيل لن توقف حربها قبل القضاء نهائيًا على قدرات الحزب العسكرية، والدول الخليجية لن تتسامح مع اعتداءات إيران ولا عودة في التعامل معها ومع أدواتها إلى ما قبل 28 شباط، والقرار الرسمي اللبناني، المدعوم بغالبية واسعة من القوى، ماضٍ في مواجهته التصاعدية مع إيران ووكلائها. وما يحصل، على رغم أهميته، ليس سوى بداية… أول الغيث.