جوزيف حبيب

الأنظمة العفنة

4 دقائق للقراءة

وقّع الديكتاتوران الكوري الشمالي كيم جونغ أون والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو معاهدة "صداقة وتعاون" وتبادلا الهدايا والمجاملات أمس. الخبر في حدّ ذاته ليس مفاجئًا، رغم أن زيارة لوكاشينكو إلى بيونغ يانغ كانت الأولى من نوعها. تجمع الزعيمين المستبدّين قواسم مشتركة كثيرة، أبرزها أن نظاميهما الظالمين جزء لا يتجزّأ من محور عالمي مناوئ للغرب بزعامة الصين وروسيا. يقود كيم ولوكاشينكو بلديهما بقبضة حديديّة ويقدّمان نموذجين فاشلين لدولتين تافهتين بكلّ المقاييس.

يحكم لوكاشينكو بيلاروسيا منذ عام 1994، ويبدو أنه يُجهّز ابنه الأصغر نيكولاي لخلافته. أمّا كيم، فهو الحاكم الثالث في "سلالة كيم"، وورث السلطة في 2011، ويتبيّن أن الزعيم الشيوعي يهيّئ ابنته كيم جو آي، وهي الولد الثاني له، لحمل "الراية" بعده. لا يدّعي طاغية مينسك بخلاف واقع حال الحرّيات في بلاده. وكان معبّرًا وصادقًا "تصريحه التهكّمي" حين قال ذات مرّة: "أنا ديكتاتور، ومن الصعب عليّ فهم الديمقراطية".

يمكننا كتابة أطروحات متعدّدة حول طبيعة الحكم المطلق في بيونغ يانغ. الأحد الفائت بالذات، أعاد "مجلس الشعب الأعلى" انتخاب كيم رئيسًا للجنة شؤون الدولة. وقبل هذا "الحدث المهم" بأسبوع، كانت مثيرة للسخرية "مسرحية" انتخاب 687 نائبًا في المجلس نفسه، حيث مُنح الكوريون الشماليون المضطهدون والمعزولون عن العالم الخارجي، خيار الموافقة أو الرفض للمرشح الوحيد الذي طرحه الحزب الشيوعي الحاكم عن كلّ دائرة انتخابية!

تباهت بيونغ يانغ بأن الشعب الجائع تحت راية "المطرقة والمنجل وفرشاة الكتابة"، وافق بكلّ إرادته الثورية على نوابه الجدد بنسبة 99.93 في المئة، مع نسبة مشاركة بلغت 99.99 في المئة! نعم، هذه النسب الخيالية الهزلية صدرت منتصف هذا الشهر في عصر سباق الذكاء الاصطناعي عن "وكالة الأنباء المركزية الكورية"، الأقرب أن تكون "منصّة فكاهية ترفيهية" منها "وكالة أنباء" ناطقة باسم دولة في الربع الثاني من القرن الـ 21.

لا تتوقف الأنظمة العفنة، من بيونغ يانغ مرورًا بمينسك وصولًا إلى ماناغوا، عن تكرار تأكيد مدى سخافتها وإجرامها، بتصرّفاتها الدنيئة وخطاياها القاتلة. انظروا مثلًا إلى ملالي طهران، أعضاء نادي "المناهج العقيمة". هؤلاء المتزمّتون أدخلوا إيران بنفق مظلم منذ 47 عامًا، وهم مستعدّون لتدميرها فوق رؤوس أبنائها باسم عقيدتهم و "ثورتهم الإسلامية" وللحفاظ على نظامهم الجائر. المعضلة اليوم تكمن في أن التجربتين الفنزويلية والإيرانية، تجعلان بيونغ يانغ ترسّخ وضعيّتها النووية أكثر، ومينسك تتمسّك بكلّ ما أوتيت من قوّة بعباءة "الدب الروسي" وأسلحته النووية التكتيكية.

أجهض لوكاشينكو بدعم روسي ثورة شعبية عام 2020، وشنّت أجهزة النظام حملات قمع واسعة النطاق شهدت تعرّض ناشطين ومتظاهرين للضرب والتعذيب وحتى الاعتداءات الجنسية والاغتصاب في الاحتجاز. بيد أن بيونغ يانغ تتفوّق على مينسك من هذه الناحية. يدير نظام كيم معسكرات للسجون السياسية، حيث يخضع، أقلّه عشرات الآلاف، للأعمال القسرية والشاقة، فضلًا عن فرضه قيودًا صارمة للغاية على حرّية التعبير والتنقل، وممارسته التعذيب، إضافة إلى تنفيذه إعدامات علنية ممنهجة تهدف إلى بث الرعب في نفوس المواطنين، لمجرّد توزيع "المُدانين" الأفلام والمسلسلات والموسيقى الأجنبية!

"الرفيقان" كيم ولوكاشينكو، كغيرهما من قادة "محور الشرّ"، يناضلان لكسر "الهيمنة الغربية" وهزيمة "الإمبريالية الأميركية"، إلّا أنهما يعمّقان فعليًّا أزمات شعبَي بلديهما وينسفان أيّ إمكانية لازدهار دولتيهما والتحاقهما بركب الحضارة. إنها مأساة عميقة للكوريين الشماليين والبيلاروسيين، لا مناص منها إلّا بسقوط مثل هذين النظامين المعاديَين لكرامة الإنسان وحرّياته ونمائه.