الدكتور سايد حرقص

أيّهما الأهم: بقاء "حزب الله" أم بقاء لبنان؟

4 دقائق للقراءة

لبنان اليوم على مفترق طرق وجودي حقيقي وخطير. السؤال ليس مجرد جدل سياسي تقليدي، بل امتحان لوعي اللبنانيين ومصداقية الدولة نفسها: هل نبني دولة عصرية، متعددة، نموذجية، مزدهرة، تحمي مواطنيها ومستقبلها، أم نسمح لمشروع "حزب الله" الايراني بأن يستمر في تحويل لبنان إلى امتداد للدولة الإسلامية الخمينية الكبرى، التي يرعاها الولي الفقيه في طهران، في انتظار "عودة المهدي" وفق عقائد إيرانية حديثة؟

بعد انتهاء الحرب وتطبيق اتفاقية الطائف وحل الميليشيات، شنّ "حزب الله" أول عملية ضد الجيش الإسرائيلي سنة 1993، لتردّ إسرائيل بعملية "تصفية الحساب". يومها قررت السلطة اللبنانية الجديدة نزع سلاح "حزب الله" بالقوة لحماية الدولة وبناء جيش وطني موحّد. لكن الرئيس السابق إميل لحود، الذي كان قائدًا للجيش حينها، رفض تنفيذ القرار الحكومي، واستعان بشكل سافر بالرئيس السوري حافظ الأسد لمنع الدولة اللبنانية من نزع السلاح "حزب الله"، وهو ما كشفته مقابلاته الحديثة.

سنة 1993 اختار الرئيس لحود، مدعومًا من سلطة الاحتلال السوري، ""حزب الله"" على "لبنان". هذا القرار المبكر يوضّح كيف بدأت فكرة تعزيز "حزب الله" على حساب الجيش والدولة، وكيف بدأت كرة الثلج بالتحرك: الجيش، الذي كان المفترض أن يكون المرجع الوحيد للأمن، أصبح رهينة مشروع إقليمي، وبدأت سلسلة من القرارات والتدخلات التي أسست لهشاشة الدولة وازدواجية السلطة التي نعيشها اليوم.

بقاء لبنان يعني دولة قوية، عادلة، ومؤسساتية، حيث يحتكر الجيش والدولة قرار الحرب والسلم، وتُحترم القوانين والمؤسسات. أما بقاء "حزب الله" كميليشيا مسلحة مستقلة، فهو مشروع "دولة داخل الدولة"، يهدد الأمن والسلم الأهلي، ويحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للحرب والتهجير والتدمير، الى أبد الآبدين خدمة للمصالح الاستراتيجية الإيرانية البعيدة عن مصلحة لبنان واللبنانيين.

الذين كانوا حتى الأمس القريب يزعمون أن استمرار "حزب الله" يحمي لبنان فقدوا مصداقيتهم وحججهم بعدما أسقط الحزب آخر أوراق التين وانغمس في حرب دعم إيران دون أي اعتبار لمصلحة لبنان واللبنانيين. التجربة أثبتت أن تعدد مراكز القوة داخل الدولة لا يحميها، بل يعرّضها للخطر المستمر من الداخل والخارج، ويحوّل المواطنين إلى رهائن لمشروع إقليمي مشبوه.

اليوم، تبدو مواقف أركان الدولة اللبنانية واضحة في ظاهرها: رئيس الجمهورية جوزيف عون ومجلس الوزراء، وقيادة الجيش، يؤكدون أن الدولة هي المرجع الوحيد للسلطة، وأن أي قوة خارج شرعيتها تُشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن وللسلم الأهلي. لكن هذه المواقف، على أهميتها، تبقى ناقصة ما لم تُترجم إلى مسار إصلاحي عميق يبدأ من الجذور. فالمطلوب أولًا تفكيك المنظومة الفكرية والعقيدة الأمنية التي ترسّخت خلال مرحلة إميل لحود، والتي أسهمت في إضعاف الروح المعنوية والقتالية للجيش، وأربكت مفهوم الدولة ودورها السيادي.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء عقيدة وطنية صلبة، حديثة وواضحة، تُعيد للجندي ثقته بنفسه، وللمؤسسة العسكرية دورها الطبيعي كضامن وحيد للأمن، وتكرّس هيبة الدولة وسلطتها الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية، من دون استثناء أو ازدواجية، لأن حصر السلاح بيد الدولة لا يمكن أن يبقى شعارًا للاستهلاك السياسي أو الإعلامي، بل يجب أن يتحوّل إلى قرار سيادي حاسم، يُترجم بخطوات عملية ومدروسة، بعد أن أصبح شرطًا وجوديًا لبقاء لبنان كدولة قادرة، مستقلة، وقابلة للحياة.

بقاء لبنان يعني مشاركة الجميع عن إقتناع تام في ورشة بناء الدولة، ضمن عقد اجتماعي واضح وشفاف يؤسس لنظام سياسي مستدام. أما بقاء "حزب الله"، فهو انعكاس لمشروع أيراني يجعل لبنان مسرحًا مفتوحًا للتدمير والتهجير باسم عقائد وطموحات مذهبية لا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين.

التاريخ يعلمنا درسًا قاسيًا: كل مرة تم تجاوز الدولة لصالح أجندات خارجية، كان الثمن حربًا أهلية، انهيار مؤسسات، واستباحة الوطن. واليوم، الخيار واضح: إما أن تستعيد الدولة اللبنانية هيبتها وسلطتها الكاملة، أو يستمر التآكل حتى تفقد دولة "لبنان" مبرر وجودها.

السؤال الحقيقي ليس: أيّهما نختار؟ لأن الجواب واضح: لا حزب، ولا مشروع يمكن أن يعيش فوق أنقاض وطنه.

بقاء لبنان هو الأساس. بناء دولة نموذجية، تعددية، مزدهرة، هو الخيار الوحيد للبقاء. وكل ما عداه، مهما كانت شعاراته، يعني تهجيرنا، دمارنا، وتحويل وطننا إلى ساحة لصراعات الآخرين.