سامر زريق

العنوان القدس... والهدف مكة

5 دقائق للقراءة
نظام الملالي بنى استراتيجية عقائدية هدفها السعودية (واس)

ثمة نظرة غريبة تحكم مواقف وتموضع شريحة واسعة من النخب والجماهير في الدول العربية والإسلامية إزاء الاستهداف المركّز من قبل نظام الملالي وحرسه الثوري لأمن وسيادة دول الخليج العربي، ولا سيّما السعودية، بحيث يبدو أن هناك تيارًا ينشط في دعم وتبرير أفعال إيران عبر حشرها ضمن ثنائية قديمة في الوعي الجمعي "إسرائيل - الآخر"، لتسويغ صنيع ذاك الآخر بحق شعبه وجيرانه، واعتبار ما تتعرّض له دول الخليج أعراضًا جانبية.

من أبرز الأمثلة كان النقاش الذي دار بين الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق عمرو موسى، والكاتب المخضرم عبد الرحمن الراشد. وهذا الأمر كان له وقع سلبي في الأوساط السعودية والخليجية، خصوصًا أن المملكة بالذات تتميّز بإرث من المواقف والأدوار التي لعبتها لدعم الاستقرار في العالم العربي، وترسيخ قيم الشرعية. حينما تعرّض عبد الناصر لهزيمة نكراء عام 67، طوت صفحات حربه الجيوسياسية والعسكرية عليها جانبًا ودعمته في محنته. ولنا في لبنان "اتفاق الطائف" الذي أوقف نزيف الحرب الأهلية، وغيرها الكثير.

لذا لا بد من إعادة ترصيع السياق. الأصل في الصراع أن نظام الملالي بنى استراتيجية عقائدية على يد الإمام المؤسّس الخميني عنوانها القدس والقضية الفلسطينية، مزدانة بشعارات محاربة أميركا وإسرائيل، فيما هدفها هو العرب، خصوصًا السعودية حاضنة الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة. فالاستيلاء عليهما بالمعنى السياسي يمنح نظام الملالي مشروعية دينية لا تضاهى.

حتى اللحظة ما من نتائج يقينية حول سبب إحجام نظام الملالي عن المشاركة في "طوفان الأقصى"، ما خلا عدم مواجهة إسرائيل كفاحًا، إذ كان طوال 4 عقود ونيف يخوض الصراع عبر أذرعه، وأوّلها "حزب الله"، بينما راح يوظف تأثير العملية في تطبيق استراتيجية معدّة سلفًا لتطويق السعودية خلال الأشهر التي سبقت الحرب عليه، رغم اتفاق خفض الصراع برعاية الصين.

وإذا كان وجود وإرهاب الجماعة الحوثية التي دعمها بالمال والسلاح والتدريب لتهديد أمن المملكة سابقين للطوفان، فإنه كان يعمل على فتح فرع لها في العراق. إلى جانب فرع لـ "حماس" لتزعّم سنة الرافدين، والتحالف بين "الإخوان المسلمين" والقوى الشيعية التي يرعاها في الكويت، ما دفع أميرها إلى حل البرلمان وتجميد بعض مواد الدستور درءًا لخطر التحالف إياه. زد عليها انتصار الفرع الإخواني في الأردن بالانتخابات، وتجيير الفوز لـ "حماس"، التي استقبل رئيس مكتبها السياسي آنذاك إسماعيل هنية زعيمَي إخوان الأردن ولبنان تواليًا بشكل يكتسي بـ "إعلان البيعة".

بيد أن الحرب ضدّ إيران وأدت هذا المشروع وأجبرت إيران على الانكفاء إلى حيّزها الجغرافي، من دون أن تبدّل هدفًا تنشّأ عليه نظامها. فالجذور المؤسِّسة لأمبراطورية الملالي ارتكزت على إنتاج نسخة راديكالية تمزج بين إرث الصفويين وحسن الصبّاح. والشاه إسماعيل، مؤسس الدولة الصفوية، الذي فرض التشيّع الإثني عشري كدين رسمي بالحديد والنار، لتوطيد دعائم دولته، وضمان استدامة ملكها في نسله من خلال الاختلاف الديني مع السلطنة العثمانية، كانت له مراسلات كثيرة مع البرتغاليين الذين كانوا قوة عالمية ويسيطرون على الهند.

وبينما من المفترض أن يكون عنوان التحالف هو الصراع مع العثمانيين، فإن مكة كانت الهدف الأبرز لما تمنحه من مشروعية دينية لحكمه. يتحدّث الباحث نبيل الحيدري في كتابه "التشيع العلوي والتشيع الصفوي" عن دعوة إسماعيل للبرتغاليين لغزو "الجزيرة العربية"، على أن يغزوها من الشرق بجيوشه الجرارة بما يحمل نزعة الثأر للعرش الكِسروي، فيما تقول إحدى الرسائل التي حملها حاكم الهند البرتغالي لإسماعيل باسم مليكه: "أعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة، وإذا أردت أن تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة، أو في عدن أو القطيف".

بدوره نظام الملالي تبنى الاستراتيجية نفسها، وغلّفها بأشكال مضللة، من الإصرار على المشاركة في ترتيبات الحج، إلى الدعوة لتدويل إدارته. ناهيكم عن مراسم "إعلان البراءة من المشركين" التي ابتدعها الخميني ضمن شعائر الحج، لتحويله من فريضة دينية إلى أداة تعبوية سياسية، تتضمّن تنظيم تجمّعات ومسيرات تردّد شعارات "الموت لأميركا" في البقاع المقدّسة، لتثبيت المشروعية الإسلامية لنظامه من جوار الكعبة المشرفة.

منذ مطلع الثمانينات حتى الأمس القريب، تعمّد نظام الملالي افتعال العديد من الإشكالات الدموية لفرض نفسه شريكًا دينيًا وسياسيًا في مكة والمدينة المنورة. عام 2016 نشر خامنئي بيانًا دعا فيه العالم الإسلامي إلى "التفكير في حل لإدارته الحرمين الشريفين". في موازاة استغلاله المناخ الناشئ عقب هجمات 11 أيلول للتقرّب من أميركا والغرب، وإضعاف الدول العربية والإسلامية عبر تقديم نفسه كمخاطب إسلامي وحيد يحمل قيمًا مشتركة، في صلبها موروث المظلومية الكربلائية.

وخلال العقدين الماضيين عمل على تغيير تعريف مفهوم الأمة الإسلامية، وربطه بإيران والنسخة الولائية حصرًا، ما أسهم في خلق نماذج انفصالية مثل الشيخ نمر النمر، كانت ترمي لتشكيل حزام ضاغط على الدول يتيح السيطرة على المجال الحيوي في الخليج وصولًا إلى مكة. من بين من نظّروا لهذا المفهوم كان شقيق علي لاريجاني، في كتابه "جيوبوليتيك إسلامي".

صاغ محمد جواد لاريجاني نظرية "أم القرى"، في اقتباس لواحد من الأسماء التاريخية لمكة ذكرها الله في القرآن الكريم، لتكون عقيدة سياسية - دينية تؤطّر مشروع الملالي التوسّعي، حيث اعتبر إيران هي "أم القرى" و "مركز الأمة" و "دار الإسلام"، في تسويغ لمشروعيتها في قيادة العالم الإسلامي، وضمّن نظريته ضرورة إدارة الحرمين عبر لجان دولية يكون لإيران النصيب الأكبر فيها.