في جوهرها، قامت العشائرية على نمط الحياة السائدة حينها، وارتكزت على مبدأ بسيط وخطير في آن: الجماعة فوق الفرد، والانتماء فوق القانون. فـ"حق العشيرة" ليس مجرد تقليد اجتماعي، بل منظومة موازية للعدالة، تمنح الجماعة سلطة التدخل في خيارات أفرادها، ومحاسبتهم وفق معاييرها الخاصة، لا وفق القوانين العامة. هذا الحق، الذي نشأ في سياقات تاريخية كانت الدولة لم تتشكل بعد ، يفترض أنه يتراجع مع قيام الدولة الحديثة. لكن في لبنان، لا يبدو أن هذا التحول قد اكتمل، بل يمكن القول إنه لم يبدأ فعليًا.
وفقًا لمقدمة الدستور اللبناني، ولا سيما الفقرة (ج)، فإن لبنان "جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل". كما تنص الفقرة (د) على أن "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية". هاتان القاعدتان تؤسسان لمبدأ واضح: المرجعية الوحيدة في الشأن العام هي الدولة ومؤسساتها، لا الجماعات الأهلية.
إلا أن الواقع اللبناني يكشف عن تناقض صارخ مع هذه المبادئ. فالعائلة، والطائفة، والعشيرة، لا تزال تمارس دورًا فعليًا في توجيه السلوك السياسي، بل وفي محاسبة الأفراد، في تجاوز مباشر لمبدأ سيادة القانون المنصوص عليه أيضًا في المادة 7 من الدستور، التي تؤكد أن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية".
تتجلى هذه المفارقة بوضوح في الحادثة المرتبطة بوزير التنمية الادارية فادي مكي، حيث أصدرت عائلته بيانًا علنيًا للتنديد بموقفه السياسي. هذه الواقعة لا يمكن التعامل معها كحادثة اجتماعية عابرة، بل هي خرق صريح لمنطق الدولة الحديثة. فالمسؤول العام، وفق النظام الدستوري اللبناني، لا يخضع إلا لآليات مساءلة محددة: سياسية عبر مجلس النواب (المواد 66 و68 من الدستور)، وقضائية عبر المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (المواد 70 إلى 80).بالتالي، فإن تدخل العائلة لإصدار "حكم سياسي" على وزير يشغل موقعًا دستوريًا، يُعدّ التفافًا على هذه الآليات، وتكريسًا لمرجعية موازية لا سند لها في القانون. والأخطر من ذلك، أنه يُعيد تعريف المسؤولية السياسية، من كونها علاقة بين المسؤول والشعب، إلى علاقة بين الفرد وجماعته الأولية. والأنكى ان هذه الثقافة تتكرس من قبل المرجعيات الدستورية ، التي تحكمت اصلا بتكليف الوزير المعني.
إن المادة 13 من الدستور، التي تكفل حرية إبداء الرأي قولًا وكتابة، لا يمكن أن تُفسَّر على أنها تمنح الجماعات الأهلية حق ممارسة ضغط معنوي منظّم على مسؤولين في مواقع حساسة، خصوصًا في ظروف استثنائية كالحروب. فحرية التعبير، في إطار الدولة، تقترن بالمسؤولية، ولا تتحول إلى أداة لتقويض استقلالية القرار العام.
في هذا السياق، يبدو المشهد اللبناني وكأنه يعاني من ازدواجية مرجعية: من جهة، نصوص دستورية واضحة تؤكد سيادة الدولة والقانون؛ ومن جهة أخرى، ممارسات فعلية تُعيد إنتاج العشائرية كسلطة سياسية غير رسمية. هذه الازدواجية لا تُضعف فقط هيبة الدولة، بل تُفرغ مبدأ فصل السلطات من مضمونه، إذ يصبح القرار السياسي عرضة لتدخلات خارج الأطر الدستورية.
في زمن الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، حيث تتجه الدول إلى تعزيز الحوكمة الرشيدة، والاعتماد على المؤسسات والبيانات في صنع القرار، يبدو لبنان وكأنه يعيش خارج هذا المسار. فبدل أن تُستخدم التكنولوجيا لتعزيز الشفافية والمساءلة، تُستخدم أحيانًا لتكريس الخطاب العائلي وتضخيمه، عبر بيانات وانتشارات إعلامية تعيد إنتاج البُنى التقليدية.
المشكلة، في جوهرها، ليست في وجود العائلة أو العشيرة كإطار اجتماعي، بل في تحوّلها إلى سلطة فعلية تنازع الدولة اختصاصاتها. وهذا ما يتعارض مع مبدأ حصرية السلطة العامة بيد المؤسسات الدستورية، الذي يُعدّ من ركائز أي نظام ديمقراطي. والمشكلة ايضا عندما تصبح الدولة برمتها رهينة ، خيارات عائلية عشائرية طائفية تؤخذ الى حيث تريد هذه الطائفة او تلك.
والأخطر حين تكون الثقافة العشائرية تتحكم بعقلية المسؤولين في رأس هرم السلطة التنفيذية والتشريعية، حيث تتكرس مفاهيم الولاء الفردي، وتنعدم امكانيات المحاسبة، وتدار قضايا الجماعات في العصر الحالي بتقنيات القرون الغابرة، لتنتفي عندها دهشة استغراب ما وصلنا اليه الآن في لبنان على كافة المستويات.
في الخلاصة، تكشف حادثة الوزير مكي عن أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي: إنها أزمة في احترام حياة المواطنين، داخل نظام الدولة، لا العشيرة والعائلة والطائفة، وأزمة مضاعفة تتكشف حين يطرح السؤال عن إمكانية وكفاءة المسؤولين لمواجهة الأخطار التي تفرضها الحرب الاسرائلية الدائرة الآن، حيث تتطلب المرحلة رجال من نوع آخر وقرارات اكثر جرأة، إذ لم يعد من المسموح التلاعب بمصير الجماعة اللبنانية، كما كان يحصل سابقا، لأن السفينة لم تعد ملك اهواء فئة واحدة، بل ملك جميع اللبنانيين، وأصبح من الملح قول الحقيقة كما هي دون مواربة (لا يحق لأي كان الانتحار، لأن انتحاره تحوّل إلى نحر للجميع).
وفي الخلاصة أيضًا حين تُزاح الدولة جانبًا لصالح العائلة، وحين تُستبدل المؤسسات بالبيانات العائلية العشائرية، يصبح السؤال ملحًّا: هل لا يزال الدستور هو المرجعية الفعلية في لبنان، أم أنه مجرد نص مُعلّق، فيما تُدار الحياة العامة بمنطق عاطفة الجماعة لا عقل الفرد فيها؟
كاتب وباحث اجتماعي