تدخل حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران شهرها الثاني وجميع المتحاربين يراوغهم ذلك النوع من الانتصار الساحق الماحق الجلي و الذي لا لبس فيه.
ويوماً بعد يوم، يقدِّم الاستكبار الايراني المعروف والشاطر في البروباغاندا المضخِّمة للوقائع والنتائج تصاريح وسرديات تُصَوِّر عدم انهيار نظام الملالي لحينه وكأنه تحدّي وتصدّي الندّ (جمهورية إيران الإسلامية) للندّ (الولايات المتحدة الأمريكية).
بناء إيران لهذه الصورة عن نفسها قد يَصلُح لأغراض الاستهلاك المحلي والاقليمي (لدى أذرعها و "بيئاتها")، إنما محاذيره كبيرة في ما يخصّ الطرف الأميركي.
في المقام الأول، لطالما كانت المقولة "من يريد أن يلعب في ملاعب الكبار عليهِ أن يتحمّل ضرباتهم" قائمة واقعًا. تخيّل أنك تلميذ في المستوى الابتدائي وأخذَتك العزيمة أن تحشر نفسك مع تلاميذ المستوى الثانوي الأكبر منك عمرًا وبنيةً في ملعب الكرة المخصّص لهم. طبعًا، حدّة تنافسهم أعلى، وقوّتهم في العدو أكبر، و"نكعاتهم" أشدّ، ورمياتهم للكرة أمضى، و"طحشاتهم" أعنف. لذا فإنه من المُرَجَّح أن تخرج من ذلك الملعب متأذّياً ومتشظّياً أكثر مما كان يمكن أن تتعرّض له لو بقيت في ملعب الصغار خاصّتك، مهما كنت قويًا نسبيًا بين أقرانك.
في الاعتبار الثاني، يحضُرُني دائماً ما كنت أسمعه من تعليقٍ واحدٍ أوحَد من زوّاري الأوروبيين من رجال الأعمال لما كنت أشاركهم تساؤلي عن عدم تناسب الحشد العسكري الأميركي الذاتي والشريك (الحلف الأطلسي) وحجم الضربات منه على أفغانستان في أعقاب هجمات 11 أيلول 2001 على الأرض الأميركية التي قام بها تنظيم "القاعدة" على اعتبار أن ذلك البلد كان مرتكزه وملاذه. ذلك التعليق الموحّد كان "الولايات المتحدة اليوم هي كالأسد الجريح الذي له الحق (نعم، كانت هذه هي الكلمة) أن ينتقم لكبريائه ممّن سوّلت له نفسه أن يتجرّأ ويعتدي عليه". كما ورد هذا التفسير في العديد من المقالات والمقابلات في كبرى وسائل الاعلام المتنوّعة في ذلك الوقت.
مما سبق وتقدَّم، يأتي في الاعتبار الثالث أن رئيس الولايات المتحدة الحالي، دونالد ترامب، وهو إنسان معتدّ بنفسه وواثق بها وبمقدرات بلاده العسكرية والتكنولوجية إلى ما فوق أقصى الحدود، لن يسجّل على نفسه ولا على بلاده أن الانتصار الساحق الماحق الجلي والذي لا لبس فيه لم يتحقّق في هذه الحرب ضد قوّة مغمورة في الشرق الأوسط بنظرِهِ تُدعى إيران. سيظلّ ينفخ في غرور الإيرانيين ويعاملهم من مكانة الفريق الخصم لأميركا العظمى (برفع المفاوضات القادمة معهم الى مستوى نائبه في الرئاسة جاي دي فانس) للوصول الى "الصفقة" التي يبتغيها، إنما إلى حينٍ فقط. بعدها، إن نفذ صبره واستنفذ معهم كل المحاولات للخروج من الحرب بالمكتسبات الاستراتيجية التي يهدف اليها لمصلحة بلاده، فإنه من المتوقّع أن يصبّ على إيران نيران الجحيم التي توعّدها بها أكثر من مرة.
ما هي مصادر تلك النيران، وكأنه لم يَصبّ منها كفايةً بعد؟ أخشى ما أخشاه من منطلقي المتواضع، أن "يذهب إلى الآخر" في تركيع إيران باجبارها على الاستسلام المُطلق، وذلك بالقاء قنبلة ذرية أو اثنتين عليها، كما فعل سلفه الأسبق الرئيس هاري ترومان لتحقيق هدفَي إجبار اليابان على رفع الراية البيضاء وإنهاء الحرب العالمية الثانية بالتالي. يمكن أن يفعلها الرئيس ترامب على مناطق غير مأهولة ويحصل على النتيجة ذاتها من باب التهديد بأن الآتي أعظم.
لدى الرئيس ترامب 60 يوماً من الأعمال الحربية قبل أن يضطّر دستورياً للذهاب إلى الكونغرس لطلب استمرارية تمويلها من المخصّصات الفدرالية. ها هي نصف المهلة قد انقضت، وهو لن يدع الأمور تصل إلى تمكين الكونغرس من التحكّم بهكذا قرار يمكن أن يحدّ من سلطته في انجاز ما بدأه من عمليات عسكرية وما يطمح اليه في خواتيمها.
هل هذا التصوّر من ضرب الخيال؟ ربما نعم، إنما ربما لا. فلقد تطوّر السلاح النووي في العالم ولدى أميركا بالذات "من الأرض إلى السماء" منذ 1945. هناك قنابل نووية تكتيكية، وهناك أيضاً ما يظلّ طي الكتمان منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي. في تلك الفترة، وكانت الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي في أوجها، خاصةً بعد غزو الأخير لأفغانستان، عُرِضَ على رئيس أميركا آنذاك، جيمي كارتر، تطوير قنبلة "نيوترونية" (neutron bomb) وميزتها انها تقضي على العناصر البشرية للجيوش لكنها لا تُلحِق أي ضرر بالمنشآت والدبّابات والآليات. ومع أنها لم تُستعمَل في مهامٍ قتالية منذ ذلك الوقت نظراً لكون الرئيس كارتر قد حَظَرَ استعمالها من منظوره الأخلاقي، الا أنه لا يجب على أيِّ متنوّر أن يغفل وجودها أو أن يغيب عنه أن "لكل شيء بداية".
لقد أظهر الرئيس دونالد ترامب، لا بل أثبت، أنه لا يتوقّف عند أيِّ حدٍّ للوصول إلى مبتغاه وبشتّى الوسائل. وطبعاً فإنه لن يسمح لهيبة أميركا أن تتعرّض للخدش بأية طريقة، ومن أية دولة من أيِّ مستوى كانت بالمقارنة. لذلك، فإنه ليس من الحكمة استبعاد أن تكون احدى تلك الوسائل أن يتقمّص الرئيس دونالد ترامب شخص الرئيس هاري ترومان ويُنهي الأمور على طريقة الأخير في عام 1945.
لنعتبِر هذا التصوّر بمثابةِ غذاءٍ للفكر، ولو خُيِّلَ أنه بعيد الاحتمال أو مجلوبٌ من زمان غابر.
صاحب رأي سيادي مستقل