محمد دهشة

عرسٌ في قلب نزوح صيدا… حين ينتصر الحب في زمن الحرب

3 دقائق للقراءة

لم يكن ذلك يومًا عاديًا في مدرسة الإصلاح الرسمية المختلطة، حيث اعتادت الجدران أن تحفظ صدى القلق أكثر من ضحكات الفرح. لكن، في لحظةٍ بدت وكأنها خارجة من عناد الحياة، قرّر عروسان أن يكتبا حكاية مختلفة، وأن ينتصر الحب، ولو على إيقاع الحرب.

حكاية خليل نعمة وزينب منتش لم تبدأ بضجيجٍ كبير، بل بلقاءٍ عابر في أيلول، سرعان ما نما كغصنٍ أخضر في أرضٍ مثقلة بالوجع. تعارفٌ فحبّ، فخطوبة، فعقد قران… وصولًا إلى قرارٍ بدا أشبه بالتحدي: الدخول إلى القفص الذهبي، لا في قاعة أفراح، بل في مركز إيواء.

في ذلك المكان، حيث تتراكم الحكايات الثقيلة بعناوين الشهادة والتضحية والصمود، كسر النازحون رتابة الأيام المثقلة بالخوف والتوتر. لم يكن العرس مجرّد مناسبة شخصية، بل محاولة جماعية لانتزاع لحظة ضوء من قلب العتمة. العروسان لم يحتفلا وحدهما، بل أرادا أن يوزّعا الفرح كخبزٍ دافئ على قلوبٍ أنهكها الانتظار.

حضر الجميع… وجوهٌ تعرف معنى الفقد، لكنها في تلك اللحظة اختارت أن تبتسم. كما حضرت رئيسة الهيئة النسائية الشعبية في التنظيم الشعبي الناصري السيدة إيمان سعد، مفوض الجنوب في الكشاف العربي عبد القادر البساط، إلى جانب شباب التنظيم الشعبي الناصري، ومتطوعي الكشاف العربي، إضافة إلى أهالٍ ونازحين تقاسموا لحظة نادرة من الفرح.

لم تكن الزغاريد صاخبة كما في الأعراس المعتادة، بل خرجت مترددة، كأنها تستأذن الحزن المحيط، ثم ما لبثت أن ارتفعت، متحدّيةً الألم. لم تُطلق بكامل قوتها احترامًا للشهداء، لكنها كانت كافية لتعلن أن الحياة ما زالت هنا.

وعندما تحدّث الأستاذ أحمد البني باسم المتطوعين، لم يكن كلامه مجرد تهنئة، بل شهادةً على لحظةٍ إنسانية نادرة. قال إن هذا العرس ليس تفصيلًا عابرًا، بل رسالة واضحة: أن صيدا، هذه المدينة، لا تفتح أبوابها للنازحين كضيوف، بل تحتضنهم كأصحاب بيت.

في ذلك المشهد، لم يكن الأرز الذي نُثر مجرّد عادة، بل كان محاولة لكسر الخوف، كما لو أن كل حبّة منه تقول إن الفرح، مهما بدا هشًّا، قادرٌ على الصمود.

هكذا، تحوّل الزفاف من حدثٍ شخصي إلى حكاية جماعية، من فستانٍ أبيض وسط القلق إلى رايةٍ صغيرة ترفرف باسم الحياة. مشهدٌ مبكٍ ومفرح في آنٍ واحد… كأن الدموع فيه لم تعد تعرف إن كانت للحزن أم للفرح.

وفي قلب النزوح، حيث تضيق الأمكنة وتتسع الأحزان، فتح عرس خليل وزينب نافذةً صغيرة، دخل منها الضوء… وقال، ببساطةٍ شديدة: ما زال للحب مكان.