ريتا عازار

تنافُس للمرور تحت نعش المسيح

"أسبوع الآلام" المطبوع فينا

6 دقائق للقراءة

ثمّة ذكريات تفوح منها رائحة الشمع الدافئ، ومطر آذار، وأحذية "أحد الشعانين". ذكريات كأنها جديدة لدرجة يصعب تصديقها، تعود كلّ عام بِدقةٍ تكاد تكون مريبة، وكأنها تعاهدت مع "أسبوع الآلام" ألا تتركنا وشأننا. وفي خضمّ كلّ ذلك، طفلة، وفستان، وأم، وقناعة راسخة بأن العالم بأسره جاء فقط ليُعجب بحقيبة دانتيل صغيرة!

كانت عندي أمّ وكنت أعيِّد في الشعانين، وكان ذلك الفستان فستاني. خاطت روز، أمّي، الدانتيل "ع مدّ" الفستان، صفًا بعد صف. كان أحد الشعانين مثل هذا العام في شهر آذار، وكان هناك شتاء وبرد يومها. أمّي خاطت الفستان وأنهته مع "الجزدان" من نوع الدانتيل نفسه، وفي أسفل الجزدان يختبئ "كعب مَجمع حلاوة" ليبقى راكزًا، ومغطى بحرير و "كشكش"، ويُقفِل بشريطة زرقاء من لون "كشاكش" الدانتيل. والفستان بلا أكمام، والحلّ بيد "أرخميدس بيتنا" روز كي لا "أعطس" فجأة أو أُصاب بنزلة صدرية: لفّت جسمي بشالات صوف بيضاء ومنقَّطة.

ثمّ حضرت تلك اللحظة المهيبة حين ينزل المرء إلى الوليمة: الشمعة أطول من حاملتها أي مني، ما يضفي على الموكب مسحةً من أجواء الألعاب الأولمبية. العالم يضجّ… وأنا أدُور حول نفسي لأعرض الفستان!

تنقضي الأعوام، وتبقى الفساتين في الخزائن أو في الذكريات، وتغيب الأمّهات إلى البال. مع ذلك، يبقى شيء ما. شعور حلو وثابت. ولاء لاحتفال لا يحتاج إلى دليل إرشادي ليستمرّ، وتبقى أيضًا الفكرة المطمْئِنة بأن الأمّ، في أعماقها، لا ترحل أبدًا، بخاصةً في "أحد الشعانين".


الآلام والمعمول

ثم يأتي "أسبوع الآلام" بجلاله وصمته، ومطابخه النابضة بالحياة. وبينما تتأمّل النفوس، تعمل الأيدي: تُحضّر المعمول بتفانٍ يكاد يكون طقسيًا. جوز، فستق، تمر. وذلك الدّهن الشهير الذي يُفضَّل عدم تحديد أصله، إما من باب الأناقة أو الحكمة. دعونا نقول فقط إنه ذو طابع مميّز ويعرف كيف يلفت الأنظار، ويطيب لي أن أسمّيه سمنة "غندورة".

ذات عام، كنت أعاون أختي بالمعمول الذي تشتهر بصناعته بطريقة ولا أشهى. سهوت وصرت أحمل الملقط الخاص بنقش المعمول من دون أن "أبخش" الكرة وأضع التمر فيها، فكان نصيبنا أكثر من دزينتَين عاريتَين من الصحة والحشوة. نعم، عشرات القطع متقنة الصنع لكنها فارغة تمامًا.


أيوب والنمل

أما يوم الأربعاء المقدس، "أربعاء أيّوب"، فيحمل نصيبه من النصائح الشعبية، بعضها يتحدّى المنطق كعدم كنس المنزل في هذا اليوم لتجنُّب النمل. في تلك الأثناء، كانت أمي التقية والمرحة تُقبِل على شؤون المنزل بنشاط هائل. بين الصلوات، تُنقِّب المنزل، تُرتبه، تُنظّفه، وتُطارد الفوضى كما لو كانت مسؤولة شخصيًا عن كلّ مصائب العالم. نعم، أمّي وصلواتها التي لم تتوقف في "أسبوع الآلام"  وفي كل أسابيع السنة، كانت تنقب البيت تنقيبًا على الأصول استعدادًا لاستقبال العيد وربما لاستقبال النمل أيضًا.

سبع كنائس أم 14؟

في الثمانينات كم زرت كنائس في بيروت في "خميس الأسرار" وكم التقيت أصدقاء وكم سررت بأن الرّوم يفتحون لنا أبواب كنائسهم لنزورها.

أحيانًا كنا نحسب أن السبع مرّات هي السبعون مرّة الواردة في الإنجيل للمسامحة. جميل تطبيقها أيضًا في زيارة الكنائس، فنزور المسيح في القربان في أربع عشرة كنيسة، وربما أكثر.

أعشق عجقة "خميس الأسرار". لا يضايقني فيها شيء وإن أوجعتني كثيرًا الخيانة وقبلة "يوضاس". لكن يبقى سؤال واحد مطروحًا بجدية لا يمنع الابتسامة: ألا ينبغي أن نقلّد المسيح بكلّ شيء؟ هو غسل أقدام تلاميذه ونحن نشهد ونرى "خميس الغسل"، ولكن ألم يأكل هو ليلتها "كبش الفصح"؟ لماذا لا نشاركه فيه بدل أن نكتفي برعي ما رعاه ذاك الكبش قبل الذبح؟


زهور الحقل ليسوع

"أسبوع الآلام" رغم صعوبته بصيامه القاسي وبوجع يسوع الأقسى بكثير، يذكّرني كيف كنا صغارًا نتنافس مَن مَرَّ تحت نعش المسيح أكثر، هو مرّتَين وهي ثلاث مرات وأنا ستّ مرات!

قبل "جناز المسيح" عند الحادية عشرة صباحًا، كنت في وقت مبكّر أتزعّم فرقة من أطفال الأقارب وننطلق إلى حقل قريب لنقطف الأزهار ونقدّمها ليسوع الموجوع، ومن ثمّ صرت أصطحب بنات أختي. بالنسبة إلى إحداهنّ لا تمرّ "الجمعة العظيمة" على مزاجها إن لم تقطف معي مارغريت أو "سيكلامان".


فيروز صوتها والجدال

من زمن سطح "كنيسة مار الياس" القديمة والذي صار اليوم موقفًا للدَّير والذي لطالما رتلت عليه فيروز مع فرقتها "تراتيل الجمعة العظيمة"، ومن تلك الأمسيات الجميلة إلى زمن آخر. كبرت وصرت أقف أمام أبواب كنائس كثيرة رتلَت فيها فيروز في التسعينات، من "البلمند" إلى "السان لوي" والكثير سواهما، انتظرتُها أنا وكثيرون من عشاقها مدّة طويلة لنأخذ أماكن قريبة منها!.

أستذكر حادثة من طفولتي في أنطلياس، عندما "كنا زغار" وكانت فيروز ترتّل "الجمعة العظيمة" على سطح الكنيسة، أذكر مرورها بين الناس وهي ترتدي "بنطلونًا". بدأ الناس يصرخون "هيدي فيروز فيروز"... لكن امرأة اعترضت وقالت: "لأ أكيد لا.  مش معقول فيروز تلبس بنطلون!". كاد البنطال يومها يصبح قضية وطنية.


الصيصان خلف أمّهم

أما يوم "الجمعة العظيمة" فكنا نمشي على أقدامنا، خلف أمّي ومعنا جدّتي، كالصيصان، من أنطلياس إلى بياقوت صوب "الأم الحزينة" هناك، لعلّ مريم تبتسم قليلًا على أشكالنا المرهقة نحن الذين جئنا نعزيها ومِن هناك ننطلق مجدّدًا إلى جل الديب وتحديدًا إلى "دير الصليب" لنشارك كلّنا في مراحل "درب الصليب"، و "اليوم علِّق على خشبة". وعلقت في بالنا ذكريات تختلط فيها آلام يسوع مع حنيننا إلى لعبة الدجاجة والصيصان.


النور والتنور

وفي "سبت النور" آه كم أحب أن أصحو مردّدةً تلك العبارة، "يلي ما بِصوم "سبت النور" بيوقع بالتنُّور" ويطيب الوقوع لولا الخوف من التنور الذي لم أره في حياتي إلّا بالصُّور.

ومن أجمل العادات التي أعشقها في "يوم النور"، إلى أجراس الفرح وصوت فيروز يصدح "المسيح قام من بين الأموات" و "مريم كفي البكاء المسيح حقًا قام"، أحبّ نفسي في المطبخ وأمامي "الطنجرة العملاقة" أسلق فيها بيضًا كثيرًا وألوِّنه مساءً، حتى أنني أتذكّر يومًا وكنت بعد صغيرة جدًا، أركض قليلًا نحو التلفزيون لأتابع حلقة من حلقات مسلسل "فارس ونجود" مع المطربة سميرة توفيق والممثل الشهير الراحل محمود سعيد، قبل أن أعود سريعًا لألوِّن البيض الذي يكون جميلًا ولمّاعًا. أحضر مشهدًا وأعود لتلميع البيض قبل أن يبرد!.

وما زلت منذ تلك الأيام، ريتا المتخصّصة في تلوين بيض "عيد الفصح". تصبح البيضات لامعة كأنها تفتخر بنفسها. تحمل آثار عناية فائقة، وتقاليد متوارثة، وذكريات حيّة، وعلى مرّ السنين تُبنى هوية حول هذه اللفتة البسيطة. قد لا يكون لقب "خبيرة تلوين بيض عيد الكبير" لقبًا رسميًا، لكنه لا يُنكر في نطاق العائلة. وفي لمعة كلّ بيضةٍ، شيء صغير من تلك الأيام!



كان فستاني مرّة في الشعانين

معمول مع حشوة

حشائش وفول

خبرة في التلوين

باقة ليسوع المتألم