يبدو من خلال كلام المسؤولين الأميركيين وفي مقدمهم الرئيس دونالد ترامب أن السقف المقبول أميركيًا هو بالحد الأدنى إقرار إيراني بالهزيمة والتفاوض سيكون على هذا الأساس ووفق منطق المنتصر والمهزوم، وهذا مسار منطقي وطبيعي للحروب مُذ بدأ البشر في خوضها. يخرج بالأمس قاليباف ليتحدى القوات الأميركية البرية فَيُعاجِلُه ترامب بحديث صحفي بعد ساعتين يُفصِح به عن تواصل قاليباف نفسه مع أميركا والسماح بمرور أكثر من 20 ناقلة نفط كبادرة حسن نية منه تجاهها.
خمسة عشر بندًا أرسلتها أميركا غير المستعجلة أصلًا على المفاوضات مع أصدقائها الباكستانيين والأتراك والمصريين الذين دخلوا على خط الوساطة كُلٌّ لإعتباراته الخاصة، فتركيا وباكستان تعيشان خوف تدفق اللاجئين في الحدود المشتركة الطويلة مع إيران والنقزة الدائمة تحرك المشاريع الإنفصالية داخلهما المتأثرة بما يحصل في الداخل الإيراني، أما مصر وبصفتها دولة إقليمية عربية كبيرة تخاف هي الأُخرَى من تغيير وجه الشرق الاوسط وسقوط التوازنات السابقة بالكامل كما وعد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
ظاهر النقاط مَخرَجٌ آمن من جحيم الحرب أما باطِنُها فشهادة وفاة لإيران التي نعرفها منذ إنتصار الثورة الإسلامية في العام 1979، 15 بندًا تُحكِم الطوق على عنق إيران وتعيد تشكيلها من الداخل عبر إقتلاع كامل لمصادر القوة والنفوذ وأوراق الضغط وإعادة صياغة الدور في المنطقة وذلك عبر مَسطَرِة واشنطن وعصا إسرائيل، أبرز النقاط:
١ - تفكيك شامل للمنشآت والقدرات النووية في فوردو ونطنز وأصفهان عبر إخراجها من الخدمة وتدميرها ومحوها وإخراج كامل لمخزون اليورانيوم المخصب وإغراؤها بالمقابل بدعم أميركي لمشروع نووي مدني
وهذا من شأنه إسقاط كل الحجة التي قاتلت من أجلها إيران في جولات تفاوضية سابقة إعتبرت من خلالها أن حقها بالتخصيب على أرضها سيادي ومقدس ولا يمكن المساس به. وهذا ينقلها من لاعب يمتلك القرار إلى لاعب ينتظر الإذن ووصول دولي كامل لمعلوماته ومنشآته عبر منعه من فرض أي مناطق مغلقة أو خطوط حمراء
٢ - التخلي الكامل عن الوكلاء والأذرع ووقف التمويل والتسليح، هذه الشبكة التي بَـنَتها إيران وتَغَنَّت بِقُدُراتها يَتِّمُ إقتلاعها من جذورها مرة واحدة.
٣ - يتحول مضيق هرمز بصفته شريانًا يَمُّر منه خمس نفط العالم إلى ممر مفتوح بالكامل دون أي تهديد وفق منطق الإبتزاز الإيراني السابق الذي كان يستعمل هذا الممر للإقتصاص من خصومه وجني الأرباح المادية غير المشروعة. وهذا ما يُسقِطُ من يد طهران واحدة من أهم أوراقها التي كانت تُربك العالم وتتلاعب بأسعار الطاقة.
٤ - ملف الصواريخ البالستية مؤجل شكليًا ولكنه حاضر في خفايا المفاوضات بصفته شرطًا إسرائيليًا لا يمكن التنازل عنه وهذا ما كُشِفَ أن نتنياهو أبلغه لوزير خارجية اميركا ماركو روبيو كواحد من خطوط تل أبيب الحمراء التي لا تقبل بتخطيها والتي تعني واشنطن بالأساس التي تشترط على طهران تقييدًا لهذه الصناعة وفق شروط صارمة على المدى والكمية المَسموحة.
أما المغريات فتبدأ من وعود مغرية برفع تدريجي للعقوبات وآلية سناب باك إضافة الى ما تم ذكره من دعم لمشروع نووي مدني، هذا إضافة لوقف مؤقت لإطلاق النار لمدة شهر مما يضع طهران تحت مجهر الإختبار وإمكانية عودة القصف والإغتيالات في أي لحظة.
إيران التي إعتادت الكذب على شعبها ودول المنطقة أَنكَرَت وجود مفاوضات من الأساس بينما تتوسل أميركا لإبرام إتفاق معها وفق ما أفاد ترامب الذي بالطبع سيصدقه العالم أكثر من عراقجي وقاليباف اللذان يخافان خسارة النفوذ ويريدون صفح واشنطن الذي قدمت عنه نسخة إليهما عبر رفع إسميهما مؤقتا من قائمة الإغتيالات.
المُرشد الذي لا يُعرَف وضعه الصحي لا يبدو لاعبًا أساسيًا في هذه المرحلة وقد أصبح مدعاة تهكم للرئيس الأميركي ومعاونيه بسبب ما يصفونه بسلوك شخصي غير سوي أفادتهم به أجهزة المخابرات الأميركية وقد وصل الأمر بترامب حد التفاخر برفضة منصب المرشد الذي طُرِحَ عليه !!
السؤال الآن فوق طاولة القرار في طهران : هل توافق على هذه الورقة وتفكك نفسها بنفسها أم تلعب آخر أوراقها التي لا تزال غير متقبلة لواقع خسارة الفِكرَة التي قامت بتسويقها والإستثمار بها طويلًا، فـكرَة ولي الفقيه هي الأساس التي قامت عليه جمهورية الخميني الذي تجرع سم التسوية في حرب العراق بالثمانينات بينما غاب خليفته الخامنائي في ضربة أميركية اسرائيلية صباحية قاسمة مع عشرات من مسؤولي النظام، كان خامنئي قد أعاد تشكيل هذه الفكرة وتدعيمها من خلال ربطها بأسس تاريخية تعود إلى واقعة كربلاء، لبنان إعتبر جزءًا أساسيًا من هذا المحور ولطالما تحدث العديد من مشايخ ومفكري حزب الله التابع لفيلق القدس الإيراني عن إقامة النظام الإسلامي فيه وفقا للرؤية الفقهية إياها، تم الإستيلاء على العديد من دول المنطقة وأصبح الهلال الشيعي أمرًا واقعًا بعد أن كان تحذيرًا أطلقه ملك الأردن في أحد الأيام ، تفاخر قاسم سليماني بالسيطرة على أربعة عواصم عربية ، حتى قَصَّ السنوار ذاك الشريط صباح السابع من أوكتوبر وقُصَّت معه الخرائط والمشاريع وكان ما كان من تحولات إستراتيجية ودراماتيكية وصلت اليوم إلى قلب المشروع في طهران بعد مرور كاسر للتوازنات في غزة وسوريا ولبنان .
ويبقى السؤال : هل من يفاوض في طهران يملك القرار أصلًا؟ وهل توقع طهران على شروط إستسلامها بالحُسنى أم تنتظر مزيدًا من القوة التي ستفتح عليها ابواب الجحيم كما وعدها ترامب، الأبواب هذه وصلت بعض مفاتيحها على ما يبدو مع طلائع قوات المارينز والقوات المحمولة جوًّا التي ستسدل الستارة على ما كان يُسمَّى يومًا: محور إيران.