رغم وصول فيلم "DAVID" مُتأخرًا إلى صالات السّينما اللبنانيّة، بعد نحو ثلاثة أشهر من صدوره العالميّ، إلّا أنه يحضر في توقيتٍ يكاد يبدو مُلهمًا. بين أسابيع الشعانين والفصح المجيد، يحمل الفيلم معه نفحة رجاءٍ في زمن الآلام، ومُذكّرًا بأن الإيمان، مهما اشتدّت العواصف، يبقى وعدًا بالخلاص وتجدُّد الحياة.
وضمن موجةٍ مُتنامية من الإنتاجات الدينيّة التي تسعى إلى إعادة تقديم القصص التوراتيّة بِلُغةٍ سينمائيّة مُعاصرة، يتميّز الفيلم بمحاولة واضحة للموازنة بين البعد الإيماني والطّرح الفنيّ الجاذب لجمهور اليوم. منذ مَشاهده الأولى، يفرض الفيلم حضوره البصريّ بقوّة. الرسوم الغنيّة بالتفاصيل والألوان المُبهرة، تقارِب في جودتها أعمال ستوديوات كبرى. فيما تُضفي الأغنيات طابعًا حيويًّا يجعل السّرد أكثر انسيابيّة وقُربًا من المُشاهد، خصوصًا الأجيال الشابّة. هذا الاهتمام لا يُغلِّب الشكل على المضمون، بل هو عنصر أساسيّ في جعل قصّة قديمة نابضة بالحياة ومفهومة في سياق بصري حديث.
انتصار القلب على السّيف
يلتزم الفيلم بخطوط القصّة المعروفة عن النبي داوود، من راعٍ بسيط إلى رمز للثقة بالله والانتصار على المستحيل. غير أن ما يُميّزه هو قدرته على تبسيط هذه الحكاية من دون أن يفقد جوهرها الروحي. الحوار يأتي بِلُغةٍ قريبة من المُتلقي المُعاصر، وهو خيار قد يبدو غير تقليديّ، لكنه يُساهم في جعل الرسالة أكثر مباشرةً ووصولًا إلى جمهورٍ أوسع. في قلب الفيلم تكمن الفكرة الأساسيّة، عبر إبراز الإيمان كقوّة تتجاوز الحسابات الماديّة. كما أن مواجهة "David" مع العملاق "Goliath" لا تُقدَّم كصراعٍ جسدي فحسب، بل كفعل ثقةٍ عميقةٍ بالله. هذه المُقاربة تمنح العمل بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الإطار الدينيّ الضيّق، ليُصبح رسالة مفتوحة لكلّ من يعيش حالة ضعف أو خوف.
يحافظ فيلم "DAVID" على إيقاعٍ متوازن يجمع بين الغناء والسّرد الدرامي، ما يجعله مناسِبًا للعائلة بمختلف أفرادها. وقد يلاحظ بعض المشاهدين ميلًا إلى الوضوح في طرح الأفكار، إلا أن ذلك يمكن قراءته كخيارٍ واعٍ يهدف إلى إيصال الرسالة الروحيّة بشكلٍ مباشر من دون تعقيد، خصوصًا لجمهور قد لا يكون معتادًا على هذا النوع من الأعمال. ينجح الفيلم في تقديم تجربة سينمائيّة صادقة في نيّاتها، تسعى إلى إعادة الاعتبار للقيم الإيمانيّة ضمن قالب ترفيهيّ معاصر، ويقدِّم نموذجًا واعدًا لِما يُمكن أن تكون عليه السينما الروحيّة عندما تُخاطب الحاضر من دون أن تتخلّى عن جذورها.
لماذا نحتاج فيلم "DAVID" اليوم في صالات السّينما؟
في السّياق اللبناني والعربي، يكتسب الفيلم دلالةً إضافيّة. في زمن التشرذم وغياب السّلام، تعود قصّة داوود لتذكّرنا بأنّ القوّة لا تُقاس بالحجم أو العتاد، بل بالثبات الداخلي والإيمان. هذه الرسالة، رغم بساطتها، تحمل قيمة كبيرة في واقع تتكاثر فيه الانقسامات، وتبدو فيه الحاجة إلى الأمل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ولا بدّ من التوقف عند قرار الجهات الرقابيّة في لبنان السّماح بعرض الفيلم رغم مشاركة فنانين إسرائيليّين في الأداء الصّوتي (أمثال المُمثّلَين والمُغنّيَين الجماهيريَّين Miri Mesika و Shahar Tavoch). هذا القرار يستحق التقدير، إذ يعكس مقاربة متوازنة تُفرّق بين الموقف السّياسي والعمل الثقافي، وتمنح الجمهور حق الاختيار والانفتاح على أعمال تحمل مضمونًا إنسانيًا وروحيًا. في لحظةٍ إقليميّةٍ دقيقة، قد تكون مثل هذه الخطوات الصّغيرة مؤشّرًا على إمكانيّة الحفاظ على مساحةٍ للفن كجسرٍ للحوار، لا كأداةٍ للانقسام.
فيلم "DAVID" عملٌ يحمل رسالةً واضحة أن الإيمان ليس فكرة مُجرَّدة، بل قوّة حيّة قادرة على إحداث التغيير. وبين جماليّاته البصريّة وروحه البسيطة، يُقدِّم الفيلم تذكيرًا هادئًا بأن الأمل، مهما بدا صغيرًا، يُمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا. وفي هذا الزمن الفصحيّ المُبارك، لا تفوّتوا فرصة مشاهدته في صالات السّينما اللّبنانيّة.