جوزيف بوهيا

معراب 3: لا دولة تحت الوصاية

7 دقائق للقراءة

ليست قيمة معراب 3 في أنه رفع السقف السياسي، بل في أنه أعاد تعريف الأزمة اللبنانية تعريفًا صحيحًا. فالمشكلة لم تعد خلافًا داخليًا على الخيارات، ولا نزاعًا بين قوى متنافسة على إدارة التوازنات، بل أزمة تطال جوهر الكيان نفسه: هل لا يزال لبنان دولة فعلية، أم أنه تحوّل إلى ساحة تتعايش فيها شرعية دستورية شكلية مع سلطة سيادية فعلية تقع خارجها؟

هنا تحديدًا تكمن أهمية المؤتمر. فهو لم يتعامل مع السلاح الخارج عن الدولة كملف خلافي إضافي، ولا كبند مؤجّل بحجة التعقيد الداخلي، بل بوصفه أصل الخلل الذي يعطّل قيام الدولة ويمنع استقرارها. ذلك أن الدولة لا تُقاس بكثرة مؤسساتها ولا بانتظام بياناتها الرسمية، بل باحتكارها القرار السيادي، وفي مقدمته قرارا الحرب والسلم. وكل كيان لا يملك هذا الاحتكار يبقى ناقص السيادة، مهما ازدحمت فيه مظاهر الشرعية.

من هذه الزاوية، لم يكن معراب 3 مجرد موقف اعتراضي على حزب الله أو على نفوذ إيران، بل محاولة لإعادة الاعتبار إلى قاعدة بديهية جرى طمسها طويلًا: لا دولة حيث يوجد قرار فوقها، ولا استقرار حيث توجد قوة تربط البلد بحسابات خارجية لا تملك المؤسسات الدستورية حق ضبطها أو مساءلتها. وهذه ليست لغة تصعيد، بل لغة توصيف. فلبنان لا يعاني فقط من سلاح غير شرعي، بل من بنية سياسية وأمنية واستراتيجية أبقت الدولة تحت سقف وظيفة مفروضة عليها من خارجها.

ما يُحسب للمؤتمر أنه رفض التلاعب بالمفاهيم. فعلى مدى سنوات، جرى التعامل مع أصل الأزمة كأنه تفصيل يمكن احتواؤه بالتسويات، فيما كانت الدولة تُستنزف تدريجيًا، والاقتصاد يُربط بإيقاع الجبهات، والسياسة الخارجية تُشوَّه، والاستقرار الداخلي يتحوّل إلى رهينة ميزان لا تملكه المؤسسات الشرعية. ولم تحتوِ هذه المقاربة الخلل، بل طبّعته. لم تُنتج دولة أقوى، بل دولة أكثر تكيّفًا مع ضعفها، وأكثر اعتيادًا على العيش تحت الاستثناء.

لهذا، لا يُقرأ ما طرحه معراب 3 كخروج على الواقعية، بل كعودة متأخرة إلى المنطق. فالواقعية الحقيقية لا تقوم على التعايش الدائم مع الشذوذ، بل على تسمية الخلل من حيث هو خلل. أما الواقعية اللبنانية التي دعت دائمًا إلى تدوير الزوايا وتأجيل الأولويات تحت عنوان حماية البلد، فقد انتهت عمليًا إلى إدامة الأزمة بدل حلّها، وترسيخ الاستثناء بدل محاصرته، وتحويل العجز إلى ما يشبه القدر السياسي.

ولذلك، ليس تطرفًا أن يُقال إن قرار الحرب يجب أن يكون بيد الدولة وحدها. وليس استفزازًا أن يُرفض تحويل لبنان إلى منصة متقدمة في مشروع إقليمي تقوده إيران عبر ذراعها المحلي. وليس مبالغة أن يُحمَّل من يجرّ البلد إلى الحروب مسؤولية كلفتها السياسية والاقتصادية والوطنية. غير الطبيعي، في الحقيقة، هو أن يصبح هذا الكلام موضع مساءلة، فيما يُعامل الخروج على الدولة كأنه مجرد وجهة نظر من بين وجهات نظر.

وقد أصاب المؤتمر أيضًا في تحديد طبيعة الصراع. فالمشكلة مع إيران في لبنان لا تختصر بدعمها لحليف داخلي، بل في أنها أقامت، عبر حزب الله، بنية نفوذ تنازع الدولة على وظائفها الأساسية: القرار الأمني، رسم الحدود الفعلية للسيادة، توجيه التوازنات الداخلية، وربط لبنان بصراعات لا يقررها اللبنانيون. بهذا المعنى، لا يعود توصيف حزب الله بوصفه فريقًا لبنانيًا مختلفًا سياسيًا كافيًا لفهم حقيقته. المسألة تتجاوز الخلاف الداخلي إلى وظيفة تتخطى الدولة نفسها، وتعيد تعريف موقع لبنان بما لا تقرره مؤسساته الشرعية.

وما يمنح معراب 3 وزنه السياسي والعقلاني ليس فقط تسمية المشكلة، بل الطريقة التي سمّاها بها. فالمؤتمر لم يسقط في فخ التحريض الطائفي، ولم يقدّم المواجهة مع حزب الله وإيران بوصفها صراعًا مع مكوّن لبناني، بل بوصفها معركة على استعادة الدولة من قبضة مشروع صادر قرارها. وهذا تمييز بالغ الأهمية، لأن أي خطاب سيادي يفقد قيمته فورًا إذا تحوّل إلى خصومة مع جماعة اجتماعية أو طائفية، فيما يكتسب مشروعيته الكاملة حين ينجح في الفصل بين الناس وبين الجهة التي تستخدمهم وتستخدم البلد معًا في خدمة مشروعها.

من هنا، فإن دعم مقررات المؤتمر لا يُختزل في انحياز حزبي، بل يتصل مباشرة بالمصلحة الوطنية العامة، بما فيها مصلحة البيئات التي دفعت أثمان سياسات لم تكن صاحبة القرار الفعلي فيها. فالسلاح الخارج عن الدولة لم يحمِ لبنان، بل عرّضه. لم يبنِ توازنًا مستقرًا، بل ثبّت هشاشة دائمة. ولم يمنح البلد مناعة، بل أبقاه تحت خطر الانفجار كلما تبدّلت الحسابات الإقليمية. لذلك، فإن إعادة القضية إلى أصلها السيادي ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لأي نقاش جدي حول مستقبل لبنان.

وتتأكد صحة خيار معراب 3 من زاوية أخرى لا تقل أهمية: إعادة ترتيب الأولويات الوطنية على نحو سليم. ففي لبنان، جرى التعامل مع الاقتصاد والإصلاح والإدارة والعلاقات الخارجية كأنها ملفات مستقلة عن أصل الخلل السيادي، فيما الحقيقة أن هذا الخلل هو الذي يمنع أي معالجة جدية من بلوغ نهايتها. فلا اقتصاد قابل للنهوض في دولة يمكن زجّها في حرب بقرار غير وطني، ولا إصلاح قابل للحياة حيث توجد قوة تملك حق تعطيل المؤسسات متى شاءت، ولا استثمارات جدية في بلد تبدو حدوده وقراراته ومخاطره رهينة محور خارجي. وميزة المؤتمر أنه أعاد ربط الأزمات اللبنانية كلها بجذرها الأول: غياب الدولة المكتملة.

ويُحسب له أيضًا أنه نقل النقاش من مستوى التوصيف إلى مستوى المسؤولية. ففي الحياة اللبنانية، كثيرًا ما تتوزع الكوارث على الجميع، بينما يضيع الفاعل الفعلي خلف ضباب اللغة السياسية. حرب تُفرض على البلد، خسائر تُدفع من المجتمع، نزوح ودمار وانهيار، ثم يُطلب من اللبنانيين أن يتعاملوا مع الأمر كأنه قدر جماعي لا مسؤولية فيه لأحد. هنا تبرز إحدى أكثر نقاط المؤتمر جدية: لا يمكن أن تستقيم السياسة في بلد تُرتكب فيه القرارات المصيرية بلا مساءلة. وهذه ليست مسألة خطابية، بل شرط لإعادة بناء العمل العام على قاعدة أن القرار الوطني ليس فعلًا بلا ثمن.

وفي مستوى أعمق، دافع معراب 3 عن السيادة لا بوصفها شعارًا مجردًا، بل بوصفها شرط العدالة بين اللبنانيين. فحين توجد قوة فوق الدولة، لا يعود المواطنون متساوين في علاقتهم بالقانون ولا بالمخاطر ولا بالمصير. بعضهم يدفع كلفة قرارات لم يشارك في اتخاذها، وبعضهم يُطلب منه الصمت بذريعة منع الفتنة، وبعضهم يُبتزّ كلما طالب بدولة طبيعية. من هنا، فإن النضال السيادي ليس مجرد دفاع عن الاستقلال السياسي، بل دفاع عن المساواة الوطنية نفسها.

ويزداد هذا البعد أهمية لأن المؤتمر لم يطرح نفسه بديلًا عن الدولة، بل إسنادًا لفكرتها في لحظة اختلال المعايير. فهو لا يبني شرعية مقابلة، ولا يقترح توازنًا مضادًا خارج المؤسسات، بل يعيد التذكير بالمبدأ الوحيد القابل للحياة: استعادة القرار الوطني إلى المؤسسات الشرعية، لا إنشاء معادلة موازية لها.

لذلك، فإن القراءة الأدق لمعراب 3 ليست أنه مؤتمر تحدٍّ، بل مؤتمر تصحيح. لقد أعاد تثبيت معيار كان يجب ألا يضيع أصلًا: لا شرعية لأي قوة تتجاوز الدولة، ولا مستقبل لكيان يعيش على التوفيق القسري بين شرعية دستورية وسلطة فعلية تقع خارجها. وفي هذا المعنى، لم يطرح المؤتمر معادلة جديدة بقدر ما أعاد التذكير بالمعادلة الوحيدة القابلة للحياة: إمّا دولة كاملة، وإمّا أزمة دائمة تتبدّل وجوهها وتبقى حقيقتها واحدة.

في الخلاصة، لم يساير معراب 3 الوهم اللبناني المعتاد، ولم يجمّل أصل المأزق، ولم يختبئ خلف اللغة الرمادية. لقد قال بوضوح إن الأزمة ليست في سوء إدارة الخلاف، بل في وجود قوة صادرت القرار الوطني وربطت لبنان بمشروع إيران الإقليمي، وإن أي إنقاذ حقيقي لا يبدأ من إدارة هذا الخلل، بل من مواجهته سياسيًا ودستوريًا وقانونيًا. وهذه ليست وجهة نظر سيادية فحسب، بل استنتاج يفرضه منطق الدولة نفسه. فلبنان لا يُنقذ بوصفات جزئية ما دام أصل العطب قائمًا، ولا يُستعاد بتسويات تُبقي القرار السيادي موزعًا بين الدولة ومن ينازعها عليه. لذلك، فإن القيمة الحقيقية للمؤتمر أنه أعاد التذكير بحقيقة حاول كثيرون الهروب منها طويلًا: لا قيام للبنان إلا بقيام الدولة، ولا قيام للدولة ما دام من يقرّر عنها أقوى منها.