د. أنطوان مسرّه

"وإذا إسرائيل غير موجودة" أو منبع مرض الدولة لبنانيًا!

7 دقائق للقراءة

ما هو منبع الكارثة في لبنان الذي أصبح يدركه دبلوماسيون عريقون والذي يفسّر التصميم العربي والأوروبي والأميركي والعالمي... في سبيل إقفال لبنان الساحة ثم الساحات؟ إن مقال رئيس تحرير الأوريان-لوجور أنطوني سمراني: "وإذا كانت إسرائيل غير موجودة؟" (5/3/2026)، يحمل على اعتماد مسار آخر نقيضًا لسجالات من الماضي أصبحت معروفة وببغائية.

سوف يستمر كثيرون في تكرار مزايدات معروفة حول العدو الاسرائيلي. إن زرع قومية إتنية صهيونية متألهة في المنطقة سنة 1948 هو منبع اضطرابات وحروب، ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضًا في عالم اليوم وعمق أزمة منظمة الأمم المتحدة. خلال لقاء موصوف "بالحوار الوطني" والذي أصبح "رياضة موسمية لبنانية"، حسب تعبير عالم الاجتماع الكبير ملحم شاوول، أطلق أحدهم المقولة التكرارية: "بعض المسيحيين لا يعتبرون إسرائيل عدوًا!" وقفت غاضبًا لأقول: أصمت! وصمت. هذه إهانة لكل اللبنانيين ولكل المسيحيين والموارنة بينهم. ليقرأ محضر الاجتماع الصاخب بين بيغن وبشير الجميل والذي تبعه اغتيال بشير الجميل!

1. وقود التغيير الدستوري: كان علنًا غطاء الحروب المتعددة الجنسيات في لبنان في السنوات 1975-1990 القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني المسلّح والدفاع عن القضية الفلسطينية! ماذا خلف هذه القضية طوال 15 سنة؟ ما هي الوقود لإشعال المعارك في سبيل القضية الفلسطينية المحقة والتي يجب الدفاع عنها؟ أصبحت القضية الفلسطينية ستارًا لقضايا أخرى وإرادة تغيير دستوري ومراجعة توازنات دستورية. قبل ميثاق الطائف أصدر اللبنانيون على المستوى الرسمي 14 وثيقة وفاق وطني. وسعى الفلسطينيون المسلّحون، بإرادة طيبة وصلبة وتكرارًا إلى وقف الاشتباكات ولكن بدون فاعلية. أصبحت القضية الفلسطينية وسيلة لإسرائيل ووسيلة لنظام الأسد ولتجار السلاح! يتوجب الاستمرار، مع اللبنانيين أو بدونهم، خلف ستار التوازن الاستراتيجي بين نظام الأسد والاتحاد السوفياتي القديم، ثم مع نظام رجال دين معمّمين ومع حزب نظام نقيضًا للتضامن العربي من خلال حروب لبنان كوقود لسنية مارونية وشيعية سياسية... سعيًا لخرق توازنات وثوابت لبنانية.

هذا الواقع انتظره العدو الاسرائيلي طوال 15 سنة في سبيل تفكيك التعددية الدينية والثقافية اللبنانية. إن حروب لبنان 1975-1990 هي المسعى لتطبيق مخطط موشي شاريت وبن غوريون الوارد في مذكرات موشي شاريت حول تقسيم لبنان (مذكرات، 8 أجزاء، بالعبرية، وموجز بالعربية، في بيروت المساء، أعداد 77-98 - 9 و 16/12/1975).

2. اتفاقية قاهرة متجددة سنة 2006: تمّ إلغاء اتفاقية القاهرة في المجلس النيابي في 21/5/1987. لكنه كان يقتضي إيهام اللبنانيين أن ميثاق الطائف حقق جمهورية ثانية أو ثالثة! إنها مناسبة منتظرة من نظام الأسد لإرساء وجود أو وصاية أو احتلال والتلاعب بنصوص الدستور ومع تغطية لبنانيين زبائن هم على استعداد للتموضع والمساومة في سبيل موقع وزاري أو نيابي أو لمجرد معاملة إدارية غير قانونية.

لماذا بعد اتفاقية القاهرة سنة 1969 وتداعياتها عقدت جهة سياسية اتفاقية قاهرة متجددة مع دولة رديفة في لبنان في 6/2/2006؟ هل في سبيل القضية الفلسطينية؟ لمواجهة العدو الإسرائيلي؟ في سبيل الوحدة الوطنية؟ كلا! الهدف هو تبوؤ رئاسة دولة بدون دولة ورئاسة جمهورية بدون جمهورية ولتقاسم مغانم دولة بلا دولة؟

خلال أزمة 1958 لم يكن السبب المعلن العدو الإسرائيل!. أراد لبنانيون، برعاية خارجية، خرق توازنات داخلية. وعى الرئيس عبد الناصر المخاطر من خلال وجود متآمرين سوريين ومصريين في لبنان وطالب "بصدور إعلان رسمي في حياد لبنان لمتابعة المفاوضات" (النهار، 2/4/1958 وكتابنا: حياد لبنان الرسمي في إطار جامعة الدول العربية، 2024).

3. مصدران لمرض لبناني: ما هو منبع الحالة المرضية اللبنانية؟ طبعًا العدو الإسرائيلي في ما يتعلق بلبنان وفلسطين والعالم العربي ومستقبل السلام العالمي. لكن بالنسبة إلى اللبنانيين يكمن المنبع في علم النفس العيادي، في شريحة واسعة من اللبنانيين. نوجز المنبع بمصدرين: عقدة الباب العالي وغياب مثاقفة الدولة!

كفى مزايدات من قبل مثقفين ببغائيين يطرحون تحليلات تجريدية لا علاقة لها بالاختبار وكتابات أكاديميين خلف مكاتب وأيديولوجيين ومخادعين ومقامرين! ليست قضية فلسطين، وليست قضية المقاومة حصرًا، منبع الكوارث المتكررة! المصدر في أيديولوجيات مقامرين ومخادعين يستغلون بنيات ذهنية مرضية وذاكرات مشتتة لم تتعظ بهدف الهيمنة الداخلية مع استعادة مغامرات قاتلة وانتحارية لذاتها وللوطن الصغير والدور الكبير.

كان من المفترض مراجعة مجمل أيديولوجية التحرير ومقاومة إسرائيل منذ سنوات استنادًا إلى الآباء المؤسسين لدولة لبنان الكبير سنة 1920 وبخاصة منذ مساهمات رؤيويين من الشيعة أمثال موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وهاني فحص... في كل ما يتعلق بالأيديولوجية الصهيونية القاتلة لذاتها على المدى المتوسط أو الطويل. إن لبنان 1920 بالنسبة للصهيونية هو "خطأ تاريخي جغرافي":

Meir Zamir, “Politics and Violence in Lebanon”, Jerusalem Quarterly, no 25 1982 and Wall Street Journal, 11 june 1982.

إن الحروب المتعددة الجنسيات في لبنان في السنوات 1975-1990 هي المسعى المستحيل لتفكيك لبنان الواحد والتعددي. إسرائيل، في العمل السياسي لسياسيين مقامرين ومغامرين لبنانيين، هي عدو وحجة في آن: حجة لممارسة هيمنة فئوية في لبنان. إنها سبب وحجة لتغطية هيمنة نظام الأسد بدون السعي لتحرير متر مربع واحد من الجولان؟ وحجة لنظام إقليمي لرجال دين معمّمين يمارسون قتل الدولة مع زرع دول رديفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان...؟ كيف نواجه صهيونية متألهة وإتنية وعرقية؟ هل نواجه من خلال نظام رجال دين معمّمين ينشرون قتل الدولة Etatcide في المنطقة؟ لم يسعَ أي محتل في التاريخ إلى قتل الدولة صاحبة الوظائف السيادية المطلقة وضامنة للأمن وكثمرة قرون في تاريخ أنتروبولوجيا القانون والتاريخ:


Norbert Elias, La dynamique de l’Occident, 1969, réed. 1975, Pocket no 80, 320 p.


4. الحماية بعد اليوم بصيغ أخرى: الحاجة إلى الدفاع عن لبنان العربي والرسالة والضرورة تجاه العداء الإسرائيلي والصهيونية ولصالح العروبة اللبنانية وليس عروبة نظام الأسد وعروبة السجون بوسائل أخرى وبدون أدلجة تابعين وزبائن ومقاومين شرفاء، وتطبيقًا لما يقوله الإمام موسى الصدر: "إن سلام لبنان هو أفضل وجوه الحرب تجاه إسرائيل..." (يعقوب ضاهر، مسيرة الإمام موسى الصدر، دار بلال، 2000، 12 جزء، جزء 7، 1976، ص 98).

إن لبنان هو في جوار عدائي أو قيد التحوّل الديموغرافي. لكن اللبنانيين، من السنية والمارونية والشيعية السياسية... يسعون للاستقواء بالخارج انطلاقًا من عقدة الباب العالي في سبيل رهانات داخلية في تفوّق مستحيل أو في انصهار قسري.

***

أعلنت سنية سياسية ماضيًا توبة قومية عارمة بعد اتفاقية القاهرة في 3/11/1969 والتي ألغاها المجلس النيابي في 21/5/1987. ثم عقدت مارونية سياسية اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 ليس لهدف قومي، بل في سبيل هيمنة فئوية وخلف شعارات: حقوق مسيحيين وصلاحيات وحصة وحصص وتعطيل وأحجام...

إن شيعية سياسية تابعة لرجال دين معمّمين تؤدلج وتمارس تعبئة مقاومين لهدف خارجي. وفي حال فك الارتباط تطالب شيعية سياسية جائزة ترضية دستورية! إنها أحلام مرضية في علم النفس العيادي تصطدم بحائط الاستحالة!


عضو المجلس الدستوري، 2009-2019