المخرج رمال أبي يونس

خرج… الجزيرة المحرَمة

7 دقائق للقراءة

في خرائط العالم تبدو مجرد نقطة في الخليج، لكن في حسابات الحرب هي هدف استراتيجي عالي القيمة في العالم.

إنها جزيرة "خرج" هكذا يسميها الإيرانيون ومن يضع يده عليها لا يضغط على إيران فقط، بل يضع إصبعه على قلب سوق الطاقة العالمي. وفي عالم اليوم، يكفي أن تضع يدك على صمام طاقة لتعيد رسم موازين القوة.

في هذا السياق، تبرز جزيرة "خرج" الإيرانية كواحدة من أخطر النقاط الجيوسياسية في العالم، ليس بسبب مساحتها أو موقعها الجغرافي فحسب، بل لأنها تمثل العقدة المركزية التي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيراني. من هذه الجزيرة الصغيرة، الواقعة على بعد نحو 25 كيلومتراً من الساحل الإيراني، يتدفق ما يقارب 90% من الخام الإيراني نحو الأسواق العالمية، فملايين البراميل تتدفق يوميا من الحقول الكبرى، عبر شبكة من خطوط الأنابيب لتصل إلى خزانات عملاقة قبل تحميلها على ناقلات النفط، والأرقام تشير إلى أن إيران كانت تضخ يوميا نحو 3.3 ملايين برميل من النفط الخام، إضافة إلى 1.3 مليون برميل من المكثفات والسوائل النفطية، ما يجعلها توفر قرابة 4.5 % من إمدادات النفط في العالم تتجه غالبيتها إلى الصين والهند، والقدرة التخزينية في الجزيرة تصل إلى نحو 30 مليون برميل، وتشير بيانات شركة كيبلر لتحليل التجارة العالمية إلى أن نحو 18 مليون برميل من النفط الخام مخزنة فيها حاليا. وهذه الأرقام تجعلها عملياً الشريان الاقتصادي الأهم لطهران.

لكن أهمية "خرج" لا تقتصر على كونها مركزاً للتصدير، بل تتجاوز ذلك لتصبح نقطة اختناق استراتيجية في أي مواجهة محتملة. فإيران رغم محاولاتها تطوير بدائل للإلتفاف على العقوبات الدولية عبر موانئ سرية وخطوط نقل بديلة الى شحنات سرية وصولا الى خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، الا انها لا تملك حتى الآن بديلاً قادراً على تعويض دور هذه الجزيرة. وبالتالي، فإن أي استهداف مباشر لها لا يعني مجرد ضربة تكتيكية، بل يفتح الباب أمام شلل اقتصادي واسع قد يستمر لسنوات.

والمؤشرات الحالية تؤكد انتقال الصراع من نمط الردع العسكري التقليدي إلى نمط استهداف منظومات الطاقة،

والوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى إستهداف متبادل لمنشآت نفط وغاز (إيران / إسرائيل) وتهديد مباشر لخطوط الإمداد في الخليج وتصاعد الحديث عن عمليات نوعية تستهدف عقد التصدير والتي هي جزيرة "خرج"

هذا التحول يعني أن الصراع لم يعد يهدف إلى كسر الخصم عسكرياً بل إلى تعطيله اقتصادياً وإرباكه استراتيجياً.

في المقابل، تشير المعطيات المتداولة في الأوساط السياسية إلى أن الولايات المتحدة تدرس خيارات غير تقليدية في التعامل مع هذا الموقع، تتجاوز الضربات العسكرية التقليدية نحو سيناريو أكثر تعقيداً، يقوم على السيطرة أو الحصار بدل التدمير. هذا السيناريو، إن تم تنفيذه، قد يشمل تطويقاً بحرياً يمنع حركة ناقلات النفط وإعتراض السفن الإيرانية، إستهداف جزيرة "لارك" ومواقع الرادار وضربات دقيقة لتعطيل أنظمة الدفاع، السيطرة على جزيرة "أبوموسى" والجزر القريبة، إنزالاً محدوداً للسيطرة على المنشآت الحيوية دون تدميرها، بالإضافة على جزيرة "خرج" مع عمليات برية داخل إيران وتأمين ضربات جوية واسعة النطاق هدفها شل القدرات النووية في تأمين اليورانيوم عالي التخصيب وهذا يتطلب إرسال قوات اضافية ونشر المقاتلات مع تحريك قوات المشاة البحرية وحاملات الطائرات والغواصات.

الهدف من هذا النهج لا يبدو عسكرياً بحتاً، بل اقتصادياً واستراتيجياً بامتياز: التحكم بتدفق النفط الإيراني وحرمان إيران من عائداتها المالية، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بالبنية التحتية كورقة ضغط تفاوضية.

هذا النموذج يعكس تحولاً في العقيدة العملياتية الأميركية من “الضربة الساحقة” إلى الإدارة المباشرة لنقاط الاختناق

فأميركا لا تريد إسقاط إيران بل تريد إبقاءها ضعيفة قابلة للاستخدام تحت السيطرة. فالدولة المنهارة لا تُدار إما الدولة المختنقة فتُساوم. ولكن هذه القيود لها مخاطر إقتصادية كبيرة فأي تعطيل ل "خرج" قد يؤدي ضغط داخلي على الاقتصاد الأميركي، وارتدادات سلبية على الحلفاء، وايضا لها مخاطر جيوسياسية فقد تؤثر مباشرة على الصين والهند كمستوردين رئيسيين للنفط، واحتمال تسييس سوق الطاقة بشكل غير قابل للضبط، وفقدان السيطرة على مسار التصعيد وإرتفاع الأسواق العالمية التي قد ترى النفط بين 150 الى 200 دولار.

غير أن هذا الخيار، رغم جاذبيته النظرية، يحمل في طياته مخاطر معقدة. فجزيرة "خرج" تقع ضمن بيئة عملياتية شديدة الحساسية، حيث تمتلك إيران قدرات غير متماثلة تشمل الزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، وإمكانية زرع الألغام البحرية. كما أن أي تحرك عسكري في هذه المنطقة قد يؤدي إلى توسع الاشتباك ليشمل مسارح أخرى في الإقليم.

الأخطر من ذلك، أن استهداف "خرج" لا يمكن فصله عن معادلة مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وإيران أوضحت بشكل مباشر أن أي تهديد لصادراتها سيقابله تهديد لحركة الملاحة في المضيق، ما يعني أن أي تصعيد في خرج قد يتحول بسرعة إلى أزمة طاقة عالمية، مع ما يحمله ذلك من ارتفاع حاد في الأسعار واضطراب في سلاسل الإمداد.

في هذا السياق، لا تبدو طهران في موقع الدفاع فقط، بل في موقع استخدام الردع عبر الفوضى. فهي تدرك أن نقطة ضعفها تكمن في خرج، لكنها في المقابل تمتلك القدرة على نقل المعركة إلى مستوى أوسع، عبر استهداف منشآت الطاقة في المنطقة أو تهديد طرق التجارة الدولية، وإغلاق مضيق هرمز وتفعيل ساحات متعددة (لبنان، العراق، اليمن، البحر الأحمر). بهذا المعنى، تعتمد إيران على معادلة واضحة: إذا تم خنقها اقتصادياً، فإنها ستعمل على رفع كلفة هذا الخنق إلى مستوى غير قابل للتحمل دولياً.

المشهد، إذاً، لا يقتصر على مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران الحقيقة أن الضحية الثالثة هي العالم، ف 20% من نفط العالم تحت التهديد المباشر والأسعار قد ترتفع وسلاسل الإمداد على حافة الإنهيار والمشهد سيصبح عبثيا بين قوتان تتصارعان والعالم كله سيدفع الثمن.

فالصين، على سبيل المثال، تعد من أبرز المستفيدين من النفط الإيراني، وأي تعطيل للإمدادات سيؤثر مباشرة على اقتصادها. كذلك الحال بالنسبة للهند، إضافة إلى دول الخليج التي تجد نفسها في قلب منطقة معرضة لتداعيات أمنية واقتصادية مباشرة. من هنا يتحول أي تحرك ضد جزيرة خرج من عملية إقليمية إلى حدث عالمي، تتقاطع فيه مصالح الطاقة مع الحسابات العسكرية والسياسية.

على مستوى السيناريوهات، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية: الأول يتمثل في حصار محدود يؤدي إلى ضغط اقتصادي احتواء نسبي للتصعيد وتعطيل جزئي للصادرات ، والثاني في تصعيد متبادل يشمل استهداف منشآت الطاقة وارتفاعاً حاداً في الأسعار واضطراب في هرمز، أما الثالث فينطوي على مواجهة واسعة متعددة الجبهات وانخراط ساحات متعددة وتعطيل كبيرلإمدادات الطاقة وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

في جميع هذه السيناريوهات، تبقى الحقيقة الأساسية واحدة: جزيرة "خرج" ليست مجرد هدف عسكري، بل نقطة ارتكاز في معادلة الطاقة العالمية. السيطرة عليها قد تمنح واشنطن أداة ضغط فعالة، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات التي يصعب احتواؤها.

وإيران اليوم بين خيارين كلاهما نار وأمام معادلة قاتلة، إما التراجع ويعني خسارة النفوذ وهذا لن تقدم عليه، وإما التصعيد أي إشعال المنطقة بالكامل. وفي الحالتين المنطقة تدخل مرحلة لا منتصر فيه.

في النهاية، لم يعد السؤال من سيربح هذه المواجهة، بل من يستطيع إدارة التصعيد دون أن يفقد السيطرة عليه. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في القدرة على التحكم بالطاقة، وعلى استخدام هذا التحكم دون التسبب بانهيار النظام الذي يعتمد عليه الجميع.

وجزيرة "خرج" تختصر كل شيء: إقتصاد إيران، إستراتيجية أميركا، قلق الصين، وخوف العالم.

وهذا اختبار حقيقي لقدرة العالم على البقاء صامدا، في زمن تُدار فيه الحروب عبر مفاتيح الاقتصاد قبل السلاح. ومن يملك "خرج" لا يسيطر على إيران فقط بل يكتب إيقاعا سياسيا جديدا للعالم.