بعد أيام تحل ذكرى مجزرة قانا الأولى التي وقعت في 18/04/1996، كنا في ألماتا كازاخستان، نقاوم بأدواتنا الإعلامية البدائية ننسخ عن وسائل الاعلام اللبنانية صور الجرائم وننقلها إلى الاعلام الكازاخستاني، وكان لبنان خلية نحل مقاوم تتساند في ما بينها، فيما كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يقود الجهود الدبلوماسية الدولية للجم عناقيد الغضب: يومها قال شيمون بيريز "لقد فاجأنا رفيق الحريري بحركته الدولية، ولم نكن نتوقع أن يكون في لبنان مسؤول يستطيع أن يطوف عواصم القرار في أيام قليلة ليقلب الطاولة علينا".
في أعقاب مجزرة قانا الثانية في 30 تموز 2006، بعد أن أنهى لقاءه مع دولة الرئيس بري، صرح السفير محمد رضا الشيباني، أن إيران "تدعم لبنان سياسيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا"، كان تصريحه دبلوماسي لبق، وكان النسق العام للدبلوماسية الإيرانية في تلك الحقبة يتسم باللباقة والدبلوماسية، وكان الأشخاص الذين يديرون الملف الخارجي الإيراني هم نفسهم اليوم، إذ ان عباس عرقجي في تلك الحقبة كان المسؤول القانوني في الخارجية الإيرانية، ولكن كانت بصمات الرئيس خاتمي ما تزال فاعلة في "باغ ملي". لكن مغادرة محمد جواد ظريف واستشهاد حسين أمير عبد اللهيان حول الدبلوماسية الإيرانية كليا إلى نمطية وخطاب محمود أحمدي نجاد.
فجأة في العام 2026 استرجع الشيباني قرابته من جساس بن مرة وخرج عن أسلوبه اللبق المعهود وسدد طعنة دبلوماسية في ظهر الخارجية اللبنانية، ولم يقف عند أول تنبيه بل استمر بالتصعيد حتى أجبر الوزير رجي أن يسلك المسار الذي سلكه الوزير جورج حكيم في العام 1966 ويعلن السفير الايراني شخصًا غير مرغوب فيه Persona Non Grata.
بعد عشرين عامًا، نحن أمام نفس الشخص لكن بنموذجين مختلفين، تمامًا كما حصل لـ Athos, Porthos, Aramis & D’Artagnan في رواية Dumas الثانية Vingt Ans Après ، فبعد عشرين عامًا على حرب تموز يجد أبطال الرواية أنفسهم على ضفاف متباعدة تبعدهم يد كروميول Cromowel الطهوري Puritans وإعدامه للملك تشارلز الأول في لندن.
كرومويل الطهوري، ألغى الاحتفال بعيد ميلاد المسيح واعتبره بدعة، وحطم "قدسية الملكية" ليقيم مكانها "القديس"، وفرض عقيدة سياسية تقوم على حاكمية النص، نخبوية الجماعة المؤمنة، وتسييس الأخلاق. بريطانيا التي عانت من "كرومويلها" في القرن السابع عشر قامت بتصدير "كرومويل إسلامي" إلى منطقة الشرق الأوسط لضمان بقائها في دوامة الصراعات الأيديولوجية والمذهبية.
واليوم مع الصواريخ التي تتساقط على ميناء جبل علي ومطار دبي، ومع تهديد طهوريو "حزب الله" اللبناني باستهداف الجامعات والمستشفيات اللبنانية لمجرد أنها تحمل اسمًا أميركيا، ترى الانفصام العمودي مع مشروع السلاح، فالحرب اليوم لم تعد حرب تموز، ولا حرب النصر الإلهي، بل أصبحت حرب إسناد ممزوجة بالسابع من أيار، سلاح موجه إلى الداخل ويستحضر السلاح الإسرائيلي ليهدم ما تبقى من دولة.
قرأت الكثير من مطالعات القانونيين من هنا وهناك، وكأنني أشاهد مصارعة رومانية في سيرك نيرون، وكل من الفريقين يستل سيف القانون وينقض به على خصمه وكأنه بالقضاء على خصمه سيحصل على سيف الامبراطور الخشبي الذي يضمن له الرفاه والحرية.
التكييف القانوني لأي مسألة قانونية يوجب بداية تحديد الوقائع:
- السفير الشيباني لم يقدم بعد أوراق اعتماده لفخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون، بينما السفير "محمد تقي اعتضاد باهرو" كان معتمدًا من قبل رئيس الجمهورية شارل حلو في العام 1966.
- النظام الدستوري في لبنان في العام 1966 لم يكن يعتمد نظام الحكم المجلسي، فالسلطة الإجرائية كانت بيد رئيس الجمهورية، وليس بيد مجلس الوزراء، بينما في نظام الجمهورية الثانية وفي تفاسير دستورية كثيرة الوزير هو رأس هرم السلطة في وزارته.
- في العام 1966 أساء السفير بهرو إلى الرئيس الراحل عبد الناصر وجمهورية مصر العربية، أما في العام 2026 فأقدم سفير غير معتمد بعد، على التعدي جهارا على الحكومة اللبنانية وصرح:
o في 15 آذار 2026: "إن محاولة تجريد المقاومة من سلاحها بقرارات إدارية فوقية هو خروج عن الميثاق الإقليمي، ولبنان لا يتحمل تبعات الانفراد بقرارات تمس أمن المحور". فأجابته الخارجية اللبنانية: "تذكر وزارة الخارجية والمغتربين كافة البعثات الدبلوماسية بضرورة احترام المادة 41 من اتفاقية فيينا، وعدم التدخل في الشؤون السيادية للبنان أو التعليق على قرارات مجلس الوزراء التي تخص الأمن القومي".
o وفي 18 آذار 2026 صرح السفير شيباني في لقاء عقده في الجنوب: "علاقتنا بالقوى الوطنية في لبنان تتجاوز البروتوكولات الورقية؛ نحن هنا لنحمي إنجازات المقاومة، والسفارة الإيرانية ستبقى الظهير والسند بعيداً عن تقلبات السياسة الرسمية"، ما يعتبر تدخلا صارخًا في الشأن اللبناني ومعارضة صريحة لقرارات الحكومة اللبنانية.
o في 20 آذار 2026 تابع السفير شيباني تحدي الحكومة اللبنانية وانتهج نهج صدقيان وأمير موسوي فصرح قائلا: الهرولة نحو عواصم التآمر تحت مسمى 'السيادة' هي استبدال للصديق الحقيقي بعدو تاريخي، ولن ينجح أحد في عزل لبنان عن عمقه الإيراني". فأجابه الوزير رجي بتنبيه شفهي Monitum Verbale قائلا: "لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات أو لتلقي الأوامر من الخارج. السفير الذي يرى نفسه 'فوق البروتوكول' عليه أن يراجع أصول الضيافة الدبلوماسية قبل أن يفقد أهليتها".
o ومع ذلك لم يتوقف السفير غير المعتمد عن تحدي الدولة المضيفة، خارقا أحكام المادة 41 من اتفاقية فيينا وفاتحا المجال أمام تطبيق المواد 8، 9 و10 من نفس الاتفاقية.
- المادة 41 من اتفاقية فينا تنص على:
1- يجب على جميع المتمتعين بالامتيازات والحصانات، مع عدم الاخلال بها، احترام قوانين الدولة المعتمد لديها وانظمتها. ويجب عليهم كذلك عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
2- يجب في التعامل مع الدولة المعتمد لديها بشأن الاعمال الرسمية، التي تسندها الدولة المعتمدة الى البعثة، أن يجري هذا التعامل مع وزارة خارجية الدولة المعتمد لديها او عن طريقها، أو أية وزارة اخرى قد يتفق عليها.
3- يجب الا تستخدم دار البعثة بأية طريقة تتنافى مع وظائف
البعثة كما هي مبينة في هذه الاتفاقية او في غيرها من قواعد
القانون الدولي العام او في اية اتفاقات خاصة نافذة بين
الدولة المعتمدة والدولة المعتمد لديها.
- بالرغم من أدلة كثيرة، وتقارير أمنية، وتفجير البايجر، كان بإمكان الخارجية اللبنانية أن تثير الفقرة الثالثة، لكنها آثرت أن تستبعد الآثار الأمنية عن الأزمة التي دفع إليها السفير الشيباني، واكتفت بمخالفة الفقرتين 1 و2 من المادة 41 في بيانها، ومع ذلك لم يتوقف الطنين.
في العام 1966 لم تشهد الساحة اللبنانية أي انقسام، أما في العام 2026، أصبح الطنين الممانع يفتي في مسائل دبلوماسية ويهدد ويتوعد وكأنه يقبض على حصرية توزيع شهادات الحق والسيادة، فانبرى بعضهم يتساءل عن اللجنة الخماسية، التي فرض تدخلها في الشأن الداخلي تعنتهم بفرض مرشح رئاسي، ويتساءل عن الوحدات الألمانية التي تراقب الحدود بموجب القرار 1701 الذي وافق عليه حزب الله في العام 2006. ذكرني النُّعر وهو يصرخ بـ"زكريا" عندما اختلف مع "ثريا" في مسرحية "بالنسبة لبكرا شو"، محتجا على الزبون بدل الاحتجاج على الفعل الشائن وكرامته الممسوحة. وإذا بالنُّعر الإعلامي والذباب الالكتروني والهيجان الشعبوي، الذي أقحم لبنان منذ اتفاقية القاهرة في صراعات إقليمية وسخَّف رأي العميد إده في تلك الحقبة، ينبري اليوم ليلوم الجمهورية اللبنانية على الوضع الذي أوصلها إليه صراع المحاور.
في التراتبية التشريعية يأتي الدستور أولا، ثم المعاهدات الدولية وبعد ذلك القوانين، فالمراسيم فالقرارات فالتعاميم. وهنا لا بد من التذكير بعدد من المراسيم النافذة في الجمهورية اللبنانية، فهذه الجمهورية ليس جمهورية إسلامية تستند على قوانين الحق الإلهي وإنما جمهورية دستورية تؤسس على القانون الوضعي ومفاهيم العقد الاجتماعي:
o المرسوم رقم 2894 (تاريخ 16/12/1959)، تُعد وزارة الخارجية والمغتربين هي "صلة الاتصال الرسمية" والوحيدة بين الدولة اللبنانية والبعثات الدبلوماسية المعتمدة.
o التعاميم: أكدت التعاميم الحكومية (مثل التعميم رقم 1/2022 والتعميم رقم 13/2022) على ضرورة توجيه المراسلات والاتصالات بين الإدارات العامة أو الهيئات التي تتعامل مع الخارج عبر وزارة الخارجية لضمان التنسيق الرسمي. فإذا كانت الهيئات الإدارية والأجهزة الحكومية يحظر عليها التواصل مع البعثات الخارجية الا بواسطة الخارجية، فكيف يكون حال الأحزاب.
وعليه فإن إجراء الوزير رجي، جاء صحيحًا ومنسجمًا مع القانون اللبناني واتفاقية فيينا، فمسألة موازاة الصيغ واشتراط أن يسحب رئيس الجمهورية الاعتماد لا تصح في هذه الحالة، خاصة وأن السفير الشيباني لم يقدم بعد أوراق اعتماده لرئيس الجمهورية، فلا محل للدفع بمسألة "موازاة الصيغ"، فالأوراق التي قدمها السفير هي لوزارة الخارجية، وهو يمارس مهامه بناء على تصريح مؤقت من الوزير، يحق للوزير الذي منحه أن يسحبه، وهذه ليست مسألة متعلقة بالعلاقات الدبلوماسية وإنما مسألة شخصية متعلقة بالسفير، طالما أنه لم يعتمد بعد فيحق للإدارة في الدولة المضيفة عدم قبوله، وهذا إجراء متبع في العلاقات الدبلوماسية، إذ يشترط قبل إيفاد السفير إلى الدولة المضيفة أن تستطلع الدولة المرسلة رأيها بالسفير، كما حصل مع السفير اللبناني عمر الرفاعي في العام 1971، عندما ارسل الـ Agrément إلى خارجية الشاه محمد رضا بهلوي، جاء القرار بالرفض لحساسيات معينة.
فرفض السفير أو إعلانه غير مرغوب به، هو تدبير شخصي بالسفير طالما أن ذلك لم يصل إلى مستوى رئاسة الدولة.
أفتى بعض فقهاء الـــ Colossus Neronis بالطعن أمام مجلس شورى الدولة لتجاوز حد السلطة، وذهب Priscus إلى اعتبار القرار منعدم الوجود، فيما Verus انبرى ليواجهه بالمادة 66 من الدستور، وهي مادة لا صلة لها بهذا الامر وهي تتحدث في منطوقها عن التضامن الوزاري الذي انهار أمام هذه الأزمة، بسبب تدخل وزراء بمسائل لا علاقة لهم بها.
أولا، يشترط في انعدام القرار الإداري أن يكون صادرا عن غير ذي ولاية، وغير ذي الولاية بمعنى اغتصاب السلطة، أي أن يدخل شخص غير ذي صفة ليحتل وزارة الخارجية بقوة السلاح ويصدر قرارا إداريا يدخل في صلاحية الوزير، أما في حالة الوزير رجي فهو وزير كامل الصلاحيات ما يزال يحوز ثقة مجلس النواب، ومارس مهامه وفق القانون اللبناني المتمثل باتفاقية فيينا.
أما المضحك فهو طروحات الطعن أمام مجلس شورى الدولة: هذه المسألة حسمها اجتهاد القضاء الإداري منذ أكثر من مئة عام ففي قضية الأمير نابوليون (Prince Napoléon, 19 février 1875): وضع مجلس الدولة الفرنسي معياراً موضوعياً للتمييز بين الأعمال السيادية التي لا تخضع للرقابة القضائية والأعمال الإدارية التي تخضع للرقابة القضائية فاعتبر أن الأعمال الإدارية التي تستهدف تنظيم مرفق عام أو التي تستهدف تنظيم علاقات الأفراد تعتبر أعمالا إدارية أما الأعمال التي ترعى علاقات السلطات الدستورية بين بعضها أو التي تنصب على الأطر السيادية العامة تعتبر Acte De Gouvernement فلا تخضع لرقابة القضاء الإداري، وقبول أوراق اعتماد سفير أو رفض أوراقه هي من المسائل السيادية التي لا يجوز الطعن عليها.
وفيما نحن نتابع بحماس وانشداد مبارزة Priscus و Verus خرج علينا مندوب العدو في مجلس الامن ليرمي هذه الورقة في وجهنا فأثار مسألة اعلان السفير الإيراني شخصا غير مرغوب فيه، بالتوازي مع رفض الخارجية الإيرانية سحب سفيرها بمخالفة صارخة لاتفاقية فيينا، ما منح نصرا واضحا وصريحا للعدو: فإذا بقي السفير في لبنان تهزم الشرعية اللبنانية، وتستباح مشروعيتها وتظهر بمظهر العاجز حتى عن حفظ سيادتها الورقية، وإذا أخرج السفير بعد أن تدخلت إسرائيل تكون إيران قد منحت إسرائيل نصرا بيِّنا لا جدال فيه بدلا من نصر باهت كان يمكن تلافي تداعياته بسردية النصر بالنقاط وعدم تحقيق الأهداف: وكأن الإدارة الإيرانية بعد حسين أمير عبد اللهيان تحترف الهزيمة أمام إسرائيل.
في هذه الاثناء، يعاد رسم خريطة العالم، وترسم حدود السيادة الرقمية، ونحن قانعون، وأم أيمن ما زالت تبكي على أبنائها الذين اعتبرهم نعيم قاسم تفصيلا صغيرا، وشهداء الساحل الشرقي للمتوسط أخفت أمهاتهم صورهم فدفنت الثكلى شهيدها مرتين، مرة عندما استشهد ومرة عندما أخفت صورته، ومع ذلك يخرج علينا بعض الكذابين الثرثارين ليسخروا من جراحنا ويبيعوننا أوهامًا يقبضون على أرواحنا ثمنا لها، ولم لا؟ فالعلوي تسقط انسانيته عند الإسلام السياسي، وفيما أتصفح أوراق الماضي وجدت قصيدة كتبتها في 21 كانون الثاني 1994:
لا لن أنام
لن يمر بأحزاني حمام
ساهرني يا سيف
وابكي البيلسان
لا لن أنام
فجرحي نيثران
أيقظ القمر وقض مضجع الذكاء
يا جاثية بقرب القبر
القبر للأموات
شبلك قد غادر القبر
فالقبر للأموات
كفكفي الدمع كفكفي
وامسحي الجفن الكحيل
اطردي الحزن وادفني
كل عيش ذليل.