الدكتور سايد حرقص

إلى الذين يهددوننا بعد انتهاء الحرب… لا تستفزّوا جنون الأحرار

3 دقائق للقراءة

في لحظة وطنية شديدة القسوة والخطورة، ترتسم أمامنا صورة سريالية غريبة ومؤلمة ومتناقضة. فمن جهة، تحوّلت الحكومة اللبنانية إلى ما يشبه “هيئة إدارة كوارث”، تنشغل مؤسساتها بتأمين الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة للنازحين: من خيمٍ وغذاءٍ ورعايةٍ أساسية. وبحسّ إنساني ووطني لافت، فتحت غالبية المناطق اللبنانية أبوابها لاستقبال الفارّين من جحيم الحرب، رغم أن السواد الأعظم من سكانها ليس مقتنعا بهذه الحرب ولا بأهدافها.

ومن جهة أخرى، وفي قلب هذا المشهد المأساوي، يطلّ على اللبنانيين خطابٌ تهديدي واستفزازي تقوده منظومة إعلامية–سياسية مرتبطة بحزب الله، متوعّدةً اللبنانيين بالعقاب بعد انتهاء الحرب. هذه المنظومة، التي تجاوزت كل حدود المسؤولية الوطنية، لا تكتفي بتزوير الوقائع، بل تمضي أبعد من ذلك، ملوّحةً بفرض معادلات داخلية جديدة، وكأن البلاد ملكية خاصة تُدار بمنطق القهر والغلبة، لا بروح الشراكة الوطنية ولا بمنطق الدولة.

إن هذا الخطاب، المفعم بالحقد والتعصّب والكراهية والاستعلاء، لا يعكس فقط انفصالًا عن واقع اللبنانيين، بل يكشف أيضًا عن أزمة عميقة في فهم معنى الدولة والشراكة الوطنية عند هؤلاء المجموعات.

على هؤلاء أن يدركوا أن اللبنانيين ليسوا أدوات في أي مشروع مشبوه، وهم أشرف وأسمى من أن يكونوا أدواتٍ أو تابعين لأي جهة خارجية، أيًّا كانت. بعكس حزب الله الذي أعلن قادته مرارا وتكرارا ان رواتبه واكله وشربه وصواريخه من إيران.

إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس المزيد من الجنون والحقد والكراهية والتبعية، بل لحظة هدوء وتعقّل ومسؤولية. يحتاج إلى إعادة بناء الثقة، لا إلى خطابٍ مَرَضي يعمّق الانقسام. يحتاج إلى خطاب جامع يحترم خصوصية جميع المكوّنات، لا إلى لغة تخوينٍ وإقصاء.

في النهاية، أصبحتم انتم وأوهامكم من الماضي، وأصبح تهديدكم مجرّد صدى مزعج لزمنٍ دُفن إلى غير رجعة. فالشعب الذي دفع أثمان الحروب، وخسر أمنه واستقراره ولقمة عيشه نتيجة أعمال تحالف المافيا والميليشيا الذي تقودونه، لم يعد مستعدًا ليكون وقودًا لمشاريع لا تشبه تاريخه ولا تخدم مستقبله. هذا الشعب يريد أن يبني، أن يعيش بكرامة، وأن يرى دولة حقيقية تحميه لا عصابة تبتزّه.

ومن يظنّ أنّ بإمكانه فرض معادلاته بالقوّة أو بالترهيب، فعليه أن يُدرك أنّ هذا الزمن قد ولّى. وإذا وُضعنا أمام خيارٍ بين العيش المشترك والحرّية، كما قال المثلّث الرحمات البطريرك صفير، فلن نتردّد في اختيار الحرّية، لأنّها الأساس الذي لا يقوم أيّ عيشٍ مشترك من دونه.

إن لم تعد هذه الجهات المريضة إلى رشدها، فسيجد اللبنانيون أنفسهم قريبًا أمام خيار لا يرغبون فيه، لكنه قد يغدو حتميًا: فكّ الارتباط السياسي والوطني مع كل من يصرّ على خطف الدولة. وعندما لا يبقى من سبيلٍ لحماية ما تبقّى من الوطن سوى هذا الخيار، يصبح “الطلاق” قرارًا لا مفرّ منه، تفرضه غريزة البقاء وصون الكيان