العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

لبنان بين الدولة المتآكلة وصعود "البعد البديل": "الحزب - أمل - إيران"

5 دقائق للقراءة

في ظلّ النقاشات اللبنانية حول احتمال السلام مع إسرائيل، والتي تناولها مقالنا السابق من منظور مسيحي مليء بالهواجس، تظهر معطيات مختلفة تعكس واقعًا سياسيًا وأمنيًا أكثر تعقيدًا. بينما يركّز بعض اللبنانيين على شكل المفاوضات، بدأ "الثنائي حزب اللّه - أمل" فعليًا رسم ملامح التفاوض، وكذلك تصوّر دولة جديدة ونظام سياسي بديل لما بعد الدولة الحالية.

تشير التقارير والنشاطات الدبلوماسية إلى فتح قنوات اتصال بين "الثنائي" وإسرائيل ودول عربية، ضمن مقاربة براغماتية تركّز على الأمن والاستقرار أكثر من الأيديولوجيا. هذه المقاربة تنطلق من فرضية مفادها أن الدولة اللبنانية الحالية فاشلة، عاجزة عن فرض الأمن أو تنفيذ التزاماتها على الأرض، ولا تستطيع لعب دور حاسم في أي اتفاق.

في هذا السياق، يقدّم "الثنائي" نفسه كجهة قادرة على التنفيذ. فهو يمتلك البنية العسكرية والشبكات الأمنية والنفوذ الميداني الذي يمكّنه من فرض أي اتفاق أو تهدئة. ويستند هذا الطرح إلى تجاربه السابقة، مثل اتفاق وقف إطلاق النار بعد حرب 2023-2024، واتفاق ما بعد حرب 2006، وكذلك انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، حيث لم تؤدّ الدولة أي دور حاسم، بل فرض ميزان القوى الذي يديره "الثنائي" النتائج على الأرض.

يتجاوز هذا التطوّر الساحة اللبنانية إلى طاولة المفاوضات الإقليمية. إيران لا تفصل بين الملفات، بل تعتبر "الثنائي" جزءًا لا يتجزأ من أي مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة. فقد نقلت طهران عبر وسطاء أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان ويتضمّن وقف العمليات ضد "حزب اللّه". هذا يضع "الثنائي" ضمن إطار تفاوضي أوسع لا تتحكّم به الدولة اللبنانية. وفي هذا السياق، تعمل إيران على تثبيت موقعه ضمن ترتيبات الأمن الحدودي مع إسرائيل.

وتكشف هذه التطوّرات إشكالية أعمق تتعلّق بمفهوم الدولة نفسها في لبنان. الدولة اللبنانية، بمؤسساتها المركزية التي تُفْرَض على الطوائف الأربع، تعاني من تآكل هيكلي، فقدان السيادة، ضعف المؤسسات، الانقسام السياسي والطائفي الحادّ، الفساد المزمن، والأزمات الاقتصادية المتراكمة، حوّلوا الدولة إلى إطار شكلي غير قادر على فرض القانون أو ضمان الأمن.

هذا الربط ليس تفصيلًا تقنيًا، بل يعكس حقيقة استراتيجية مفادها أن قرار الحرب والسلم في لبنان لم يعد محليًا، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تديرها طهران. بل إن بعض التقارير تشير إلى أن "الثنائي" نفسه يتعامل مع مسار التفاوض الأميركي- الإيراني كعامل حاسم في تحديد سلوكه الميداني في أرض المعركة، ما يضع لبنان عمليًّا داخل إطار تفاوضيّ لا تتحكّم به دولته. والأكثر دلالة أن طهران، بحسب هذه المعطيات، تسعى إلى ضمان دور "الثنائي" في أي تسوية مقبلة، ليس فقط كطرف عسكري، بل كجهة ضامنة للاستقرار على الحدود مع إسرائيل. وهو ما يعزز السرديّة التي تروّج لها هذه القوى، ومفادها أنها ليست مشكلة يجب حلّها، بل عنصرًا لا غنى عنه في أيّ حلّ.

وبالتالي، تواجه القوى الدولية والإقليمية تحدّيًا معقدًا: كيف يمكن التفاوض أو التوصّل إلى اتفاقيات مع دولة فاشلة لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها أو فرض سيطرتها؟ هذا الواقع يجعل أيّ مسار تفاوضي في لبنان غير مضمون النتائج، لأن الدولة نفسها لم تعد المرجعية القادرة على الالتزام بما يُتفق عليه. وفي ظلّ هذا الفراغ، تميل الأطراف الخارجية إلى التعامل مع القوى الفاعلة على الأرض بدل المؤسسات الدستورية، ما يتيح لمحور "الثنائي" أن يملأ الفراغ وفرض نفسه كوسيط أساسي لا غنى عنه في أيّ عملية تفاوض أو تنفيذ اتفاقات.

فإذا تمكّن محور "الثنائي"- إيران من التوصّل إلى تفاهمات تضمن أمن الحدود الشمالية لإسرائيل، حتى في حال امتداد النفوذ الإسرائيلي إلى نهر الليطاني، فإن هذا المحور لن يكتفي بدور أمني، بل سيسعى إلى ترجمة هذا الإنجاز إلى نفوذ سياسي داخلي يعيد تشكيل موازين السلطة. عندها، قد يجد لبنان نفسه أمام نظام أمر واقع جديد، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الدولة والقوى غير الرسمية، وتُفرض معادلات حكم لا تحظى بإجماع وطني. هذا السيناريو لا يهدّد فقط الطوائف الأخرى، بل يضع الكيان اللبناني ككلّ أمام خطر التفكّك التدريجيّ، ويزيد احتمالات التصعيد الداخلي والانقسام الحادّ، خصوصًا إذا رفضت شرائح واسعة من اللبنانيين الاعتراف بشرعية هذا التحوّل أو نتائجه.

وعليه، سواء نجح أو فشل هذا المحور، فإن الدولة اللبنانية تواجه مخاطر هيكلية جسيمة، ومستقبلها معلّق بين استقرار مشروط أو انفجار داخليّ محتمل. وهذا يدعو صناع القرار في الدولة وكلّ الطوائف، بما في ذلك الشيعة غير المنتمين لمحور "حزب اللّه" - أمل، إلى التحرّك والوعي والعمل على بناء رؤية واضحة للبنان، ونظام اتحاديّ أكثر توازنًا وفعالية، بعيدًا من السيطرة المطلقة "للثنائي" وفشل الدولة الحالية.

في النهاية، السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيحصل السلام؟ بل: من يفاوض فعليًا، ومن يمتلك مفاتيحه، بيروت أم طهران؟ وأي دولة ستبقى في لبنان إذا أصبح السلام جزءًا من صفقة إقليمية لا تمرّ عبر مؤسساته؟


الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ