لا أخال إثباتًا على التطور الهائل في موقف مكوّنات لبنان، أوضح من المقارنة بين مقررات معراب 2 ومعراب 3 التي تفصل بينها فترة سنة وستة أشهر.
البيان النهائي لـ "معراب 3" ثلاث من أربع نقاط دانت بالاسم "حزب الله" وحملته مسؤولية كارثة لبنان وشعبه. الفقرة الرابعة والتي تناولت دعوة المجتمع الدولي بكافة مؤسساته للتدخل لإنقاذ لبنان، لم توفر لا "حزب الله" ولا مشغله إذ دعت لمحاسبة دولية ومحلية لإيران ولـ "حزب الله" على الأضرار الهائلة التي كانوا سببها.
في بداية انهيار الأوضاع الأمنية واندلاع الحرب الأهلية عام 1975 كان المجتمع اللبناني يختلف اختلافًا هائلًا عما هو عليه اليوم.
من المتعارف عليه اعتبار قتلى بوسطة عين الرمانة في 13 نيسان بداية الاقتتال الداخلي الذي استمر على تقطع حتى 1989.
توازن القوى والتحالفات كانت غير ما هي عليه الآن. الحلف الثلاثي الذي ضم الأحزاب المسيحية الرئيسية، "الكتائب"، "الاحرار"، "الكتلة الوطنية"، كان قد انهار واقتصر حينذاك على "الكتائب" و"الاحرار". الكتلة الوطنية لم تكن حتى على الحياد. ريمون إدة بعد انتهاء معركة الفنادق بهزيمة الكتائب، قام بـ "استعراض" أرض المعركة برفقة الزعيم الفلسطيني أبو حسن سلامة.
الرئاسات المسيحية كانت إجمالًا على الحياد لكن بعض الكهنة والأساقفة انحازوا علنا للقوى المعادية للجبهة اللبنانية. قيادات منظمات الشباب المسيحيين كانت دون استثناء مع المقاومة استنادًا، برأيهم، إلى مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني.
مجزرة الدامور، أفظع مقتلة حتى تاريخه، إذ المجازر التي سبقتها لم تتعد قتلى أكبرها المئتين فيما تعداد مذابح الدامور بلغ 648 مدنيًا بينهم أطفال، عبأت المنظمات الفلسطينية انصارها من بين المسيحيين لعقد مؤتمر في الناعمة اتهموا "القوات اللبنانية" بارتكاب المجزرة.
طلاب الجامعات المسيحية لم تكن اتجاهاتهم على خلاف ذلك. هزمت لوائح "الكتائب" و "الاحرار" واليمين في مختلف الجامعات. حركة الوعي في انطلياس، وكانت أكبر تنظيمات الشباب في تلك الفترة، انحازت لعلمانيتها علنًا إلى القوى المعادية للجبهة اللبنانية وساهمت بتحالف حصد أصواتًا في الجامعة اليسوعية تخطت بها الأحزاب اللبنانية.
حركة الشبيبة الأرثوذكسية لم تخف عداءها للجبهة اللبنانية، والقيادات الكنسية الأرثوذكسية، باستثناء البطريرك هزيم، أظهرت عداءها للتيار المسيحي علنًا إن سمحت الظروف، وإلا كتمته.
بعثات تقصّي الحقائق كانت أحكامها سابقة لجولاتها. لي تجارب معها. أُوكلت بتنظيم لقاءات بين بعثة ومسؤولين من بينهم الوزير السابق فؤاد بطرس. بسط بطرس للوفد الوضع ولما انتهى أبدوا دهشتهم وعلقوا: "لم نكن نعرف هذه التفاصيل". أجابهم بضيق صدر عرف به: "هاق عرفتو. شو راح تعملوا؟" لاذوا بالصمت. عند الانصراف شكرته على استضافتنا فقال: "بعرفن، ما بيطلع منهم شي منيح".
كانت الأمانة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط في بداية الحرب لأمين عام اتصف بالجدية والاتضاع والأخلاقية. لكنه، كمعظم الأرثوذكس في تلك الفترة، أساقفة وأفرادًا، كان استمرارًا لموقف أرثوذكسي تقليدي معاد للموارنة لفت نظر بعثة كنغ - كراين عام 1920، موقف عبّر عنه بـ: "التركي ولا بكركي".
معظم الصحافيين الأجانب مالوا إلى جانب الفلسطينيين وحلفائهم. لا أعرف أحدًا سكن المنطقة المسيحية بل كل من عرفت منهم أقاموا في بيروت الغربية وكان مكان لقائهم اليومي فندق الكومودور حيث تزودهم جبهة التحرير الفلسطينية بالمعلومات وتسهل تنقلاتهم وتشرف على أمنهم وتحقق مطالبهم.
تلك كانت العلاقات بين مكونات لبنان منذ زمن غير بعيد. لكنها اختلفت بشكل جوهري في لقاء معراب 3. بأشخاص حضروه وإعلانهم إحدى أهم وثائق لبنان الحديث، هي "قيم مشتركة" تتجاوز الهويات المحلية والدينية والمذهبية وتصلح أساسًا لفدرالية قيمية، وليست طائفية، يقوم عليها لبنان الجديد.