ماري منصف

الليلة عبر "mtv" مع إيلي أحوش

"شربل القديس اللّي من عنا": رسالة إيمان تتجاوز الحدود

5 دقائق للقراءة

منذ ما يزيد على قرن من الزمن، يسطع اسم القديس شربل كواحد من أبرز الرموز الروحيّة التي خرجت من لبنان إلى العالم. فموطننا الصغير بمساحته، الكبير برسالته، شكّل دائمًا أرضًا خصبة للإيمان والتنوّع والقداسة، إذ تلاقت على أرضه الحضارات وتراكمت التجارب الروحية عبر آلاف السنين.

وفي قلب هذا المشهد برز الأب شربل مخلوف، الناسك الذي اختار الصمت والعزلة في "دير مار مارون" – عنّايا، ليصبح لاحقًا صوتًا عالميًا للمحبّة والإيمان.


عابر للحدود

لم يكن شربل مجرّد راهب عاش حياة صلاة وتقشف، بل ظاهرة روحيّة عابرة للحدود، تستقطب المؤمنين من مختلف الثقافات والطوائف وتُروى حوله شهادات وتجارب تُجسِّد حضورًا حيًّا للأب القديس تخطّى الزمن.

هذه المكانة الاستثنائية شكّلت محور الوثائقي الجديد "شربل القديس اللّي من عنا" الذي تعرضه قناة "mtv" الساعة 8:40 مساءَ الليلة الموافِقة الجمعة العظيمة لدى الطوائف المسيحية المتّبعة التقويم الغربيّ. العمل يُضيء على انتشار رسالة قديس لبنان وتأثيره العميق في قلوب الناس حول العالم.


رحلة طويلة

وقبل ساعات من العرض التلفزيوني الأوّل للوثائقي، التقت "نداء الوطن" الإعلامي إيلي أحوش، المنتج المنفذ ومُعدّ هذا الشريط، والذي شاركنا رؤيته وتجربته في إنجاز هذا العمل، كاشفًا عن الرحلة الطويلة التي توزّعت بين الدول والقارات، بحثًا عن أثر "ختيار عنّايا" في حياة الناس.

ينطلق أحوش في حديثه بالإفصاح أولًا عن علاقة شخصية عميقة تربطه بالقديس شربل، معتبرًا أن هذا الارتباط ليس طارئًا، بل جزءًا من الهوية اللبنانية نفسها. فشربل، بالنسبة إلى أحوش، امتداد لحضارة النور التي تعود إلى ألفَي عام، حيث تلاقت المقاومة بالمحبّة، والثبات بالإيمان، والفكر بالقداسة. ويؤكد أن هذه المحبّة تعمّقت لديه بشكل خاص خلال عمله على الحلقات المباشرة التي قدّمها من "دير مار مارون" في عنّايا عبر "mtv" أيضًا، منذ نحو عشر سنوات، ما دفعه لاحقًا إلى تبنّي فكرة إنجاز وثائقي يليق باستثنائية هذا القديس.

الوثائقي، الذي امتدّت فترة إنجازه ثلاث سنوات، لم يكن مجرّد مشروع إعلاميّ، بل رحلة إنسانية وروحية جابت ثلاثين مدينة حول العالم. ومن خلال هذه الرحلة، سعى فريق العمل إلى الإجابة عن سؤال جوهريّ: كيف استطاع ناسك متواضع عاش في محبسة صغيرة أن يصل إلى قلوب الملايين؟ الجواب، كما يراه أحوش، يكمن في تلك السنوات الثلاث والعشرين التي قضاها شربل في "محبسة القديسين بطرس وبولس"، متخلّيًا عن كلّ شيء في سبيل محبّته للمسيح، حيث بلغ الحبّ ذروته، وتحوّل إلى قوّة قادرة على تخطّي المستحيل وصنع المعجزات.

هذا البُعد الروحيّ العميق هو ما يفسّر الانتشار الواسع لاسم قديس لبنان وشفاعته خارج لبنان. فحضوره لم يعد محصورًا في إطار جغرافيّ أو دينيّ ضيّق، بل أضحى حالة إنسانية عالمية.


محطات مؤثرة

يستعيد أحوش محطات مؤثرة عاشها وفريق البرنامج خلال التصوير، لا سيّما في المكسيك حيث لمس محبّة استثنائية لشربل تكاد تفوق الوصف، حتى بات حضوره في الكنائس هناك أمرًا بديهيًا. كما يتحدّث عن أستراليا، حيث تأثر بعمق بإيمان الجالية اللبنانية وثباتها، وبالعلاقة الوجدانية التي تربطها بلبنان وقدّيسه، على حدّ سواء.

غير أن رحلة إعداد هذا الشريط الوثائقي لم تكن خالية من التحدّيات. فظروف لبنان الصعبة في السنوات الأخيرة، إلى جانب صعوبات السفر والتنقل بين الدول، فرضت عراقيل كبيرة على فريق العمل. ومع ذلك، لم تتوقف المسيرة، بل استمرّت بدافع من إيمان داخليّ بضرورة إنجاز هذا المشروع، مدعومة بكلمات تشجيع من أشخاص التقاهم الفريق خلال رحلاته، كانت كفيلة بإعادة إشعال الحماسة ومواصلة الطريق.

ويلفت أحوش إلى أن الدعم الأساسي لهذا العمل جاء من قناة "mtv" التي تبنّت المشروع ووفّرت له كلّ الإمكانيات التقنية والبشرية، انطلاقًا من دورها في الحفاظ على الهويّة اللبنانية ونقلها. كما يثني على دور الجاليات اللبنانية المنتشرة حول العالم، التي لم يقتصر دورها على التصوير مع أفرادها، بل أضحى هؤلاء شركاء فعليّين ساهموا في إنجاز العمل وإنجاحه من خلال مشاركتهم تجاربهم وإيمانهم العميق.


مسؤولية مضاعفة

ورغم الطابع المهني الذي يفرضه العمل الوثائقي، إلّا أنّ هذه التجربة تحديدًا تجاوزت الإطار الإعلاميّ لتصبح رحلة روحية بكل ما للكلمة من معنى. فالتعامل مع شخصية بحجم القديس شربل، كما يوضح أحوش، يحمّل القائمين على العمل مسؤولية مضاعفة، ليس فقط في نقل الصورة بل في احترام عمق التجربة الإنسانية والإيمانية المرتبطة به. من هنا، تحوّل "شربل اللي من عنّا" إلى مساحة لقاء بين الإنسان وذاته، وبين الإيمان والحياة اليومية.

وقد ساهم في إنجاز هذا العمل فريق متكامل، ضمّ مدير التصوير حسيب ملحم، والمخرج جورج ضو، وسابين سلامة في المونتاج، عملوا جميعًا بروح واحدة انعكست على جودة العمل وجماليّته، إن من حيث الصورة أو الصوت أو السّرد.

ولا يتوقف المسار عند هذا الوثائقيّ فحسب، إذ يكشف أحوش عن عملٍ جديد مرتقب يتناول الكنيسة الأرثوذكسية وتاريخ الترنيم في لبنان، في محاولة لإبراز غنى التراث البيزنطي الروحيّ والفنيّ، وتسليط الضوء على جماليّاته العميقة.

وفي الختام، يترك الإعلامي إيلي أحوش رسالة مفتوحة لا بكلماته بل بما يختصره صمت القديس شربل نفسه. فذلك الصمت، كما يقول معدّ الوثائقي ومقدّمه، يحمل في داخله كلّ معاني المحبة التي بشّر بها المسيح، ويدعو كلّ إنسان، مهما كان بعيدًا، إلى الاقتراب من مساحة النور هذه، حيث يلتقي الإيمان بالحبّ، ويجد الإنسان ذاته من جديد.



ضريح القديس شربل في عنّايا



كنيسة دير الثالوث الأقدس في بيترسهام - ماساتشوستس



قديس "من عنّا" إلى العالم



مذبح وقديس



شربل في كاتدرائية القديس باتريك في نيويورك



خلال التصوير