لا نعيش في عالم عادل، هذا أمر مفروغ منه. لكن اللاعدالة تبلغ أحيانًا مستويات كارثية تثير الغضب والاشمئزاز. تفرض "ازدواجية المعايير" نفسها في مقاربة جزء لا يستهان به من "الفاعلين" حول العالم. نسمع في الآونة الأخيرة مواقف صادرة عن قادة سياسيين وروحيين واجتماعيين... تدين الحرب ضدّ النظام الإيراني وتستنكر انتهاك القانون الدولي وتستهجن حملة القصف الجوّية ضدّ "دولة ذات سيادة". المعضلة تكمن في أن السواد الأعظم من هؤلاء السادة الأفاضل التزموا "صمتًا مريبًا" حين ارتكب الملالي مجازر بحق المتظاهرين الإيرانيين مطلع هذا العام. لسان حال ذوي الضحايا يقول لهم اليوم: أين كنتم وقتها؟ لماذا لم نسمع ولو تصريحًا تضامنيًّا مقتضبًا منكم؟
بنظر منافقي العصر، يبدو أن "سيادة" دولة مارقة أهمّ بكثير من أبسط "حقوق الإنسان" لشعب حيّ يُناضل بشجاعة قلّ نظيرها من أجل حرّيته وكرامته ومستقبل أجياله. نعم، هؤلاء التافهون يعتبرون أنه لا يجوز إطلاقًا شنّ حرب ضدّ "دولة راعية للإرهاب"، كما لا يحق للعالم التدخل في شؤون "دولة الإعدامات" هذه، ولو أن نظامها الفاسد يوغل بسفك دماء مواطنين عزّل يطالبون بإسقاطه. للمفارقة، قد يكون عدد قتلى الحرب ضدّ نظام آيات الله من الإيرانيين، عسكريين ومدنيين، على مدى أكثر من شهر، أقلّ من عدد قتلى المحتجّين الذين سقطوا بنيران آلة إجرام المتزمّتين يومَي 8 و9 كانون الثاني الفائت. تخيّلوا هذا المشهد الصادم للحظة.
الأكيد أن نظام الجمهورية الإسلامية يتصدّر لائحة "قتلة الإيرانيين" منذ استيلاء ثورته الظلامية على مقاليد الحكم، هذا فضلًا عن مسؤوليته المباشرة وغير المباشرة عن إزهاق أرواح لا تحصى من غير الإيرانيين بفعل ممارساته الإرهابية الموجّهة والممنهجة. استحال الكيل بمكيالين رائجًا في أوساط الناشطين من أصحاب التفكير السطحي في الشرق والغرب على السواء. كثيرون يستنفرون ثقافيًّا وسياسيًّا، ويتحرّكون على الأرض، وفق هويّة الجلّاد أو الضحيّة، أو كلاهما معًا، وآخرون يُسحبون مع التيّار الجارف ويردّدون شعارات رنانة يجهلونها، ويصفقون لخطابات عقائدية بالغة الخطورة، غالبًا ما تُقدّم مغلّفة بعناوين إنسانية مزيّفة، ستحوّل حياتهم جحيمًا متى شقّت طريقها نحو السلطة.
ثمّة قضايا محقّة لا حصر لها في زوايا المعمورة الأربع، بيد أن الأضواء تسلّط في أغلب الأوقات، عن عمد وتخطيط مسبق، نحو تلك المدعومة من تحالف "الأيديولوجيا والمال" الأكثر وقاحة وخبثًا وتأثيرًا وغسلًا للأدمغة. من المحزن حقًا أن ترى أعدادًا غفيرة من المضلّلين والتائهين الذين يشاركون في تظاهرات وهم لا يدركون ماهية المسألة التي تجندوا دفاعًا عنها ولا يعرفون حتى الموقع الجغرافي للبلد المعني أو طبيعة الصراع وهويّة المتقاتلين، بتحريض من "جنود" عديمي البصيرة. ثمّ يأتيك أحدهم بكلّ سخافته وسفالته ليُعطي الإيرانيين المضطهدين الساعين لنيل استقلالهم من نير "الاستعمار الداخلي"، محاضرات ممجوجة في "الوطنية" ومقاومة "الأعداء"!
حدّد القسم الأكبر من الإيرانيين أعداءه ودُفعت فاتورة دمّ باهظة على مذبح الحرّية، ما دفع الثائرين المظلومين إلى طلب المساعدة الخارجية. وبصرف النظر عن مصالح واشنطن وتل أبيب، وحساباتهما، تحظى عملية "الغضب الملحمي" بدعم واسع بين الإيرانيين لأنهم يعون أنها قد تكون "خشبة الخلاص" المنتظرة الوحيدة بعد معاناة طويلة. كتب مارتن لوثر كينغ جونيور مرّة: "الظلم في أي مكان يُشكّل تهديدًا للعدالة في كلّ مكان". ليت المتحذلقين يأخذون بكلام من يتبارون عادة على رفع صوره، بدل تلويث مسامعنا مرارًا وتكرارًا بصراخ عقيم ومَقيت يُجسّد واقع حال المستلبين فكريًّا ورعاتهم الماكرين.