لوسي بارسخيان

بالفيديو - من زحلة إلى الجنوب: لستم وحدكم

4 دقائق للقراءة

 لم تمر ليلة "زيارة السبع كنائس" بتقليدها المتراكم في زحلة هذه السنة من دون فعل تضامن مع الذات، من خلال الصلاة على نية "أهل الجنوب الصامدين في كنائسهم" رغم أهوال الحرب والحصار.

فمن المدينة التي عرفت معنى الحروب ومآسيها، وتحيي في كل نيسان منذ العام 1981 ذكرى أهلها الذين صمدوا وسط الحصار، وشهدائها الذين سقطوا في فكّه، تشابكت الصلوات مع أهل الجنوب وكل اللبنانيين الموجوعين، لتقول لهم "أنتم لستم وحدكم".

بدل "الزنغل" شمعة

إنطلقت المبادرة مع "ع دروب زحلة"، وهي مجموعة من أدلاء محليين، ولدت لتضيء على هوية مدينة بنيت بسواعد أبنائها.

وبعد أن تميز نشاطها في يوم خميس الأسرار خلال السنوات الماضية، برائحة "الزنغل" التي تنبعث في أحياء المدينة في يوم "الجمعة العظيمة"، كطبق يجسّد معاني الآلام والقيامة التي تشكل جوهر الإيمان المسيحي، وجهت "ع دروب زحلة" هذه السنة الدعوة للصلاة "مع أهلنا الصامدين بقراهم في الجنوب" متطلعة الى قيامة لبنان.

فاستُبدل طبق "الزنغل" بشمعة تضاء في الكنائس أرادتها "ع دروب زحلة" تذكيرًا بأن "التمسك بالهوية اللبنانية، وحدة أراضي لبنان، الصمود ونصرة الضعيف، من صلب التقاليد الزحلية".

كيف لا تفعل زحلة ذلك وهي "أم الكنائس" التي رفعت المدينة وحمتها منذ نشأتها، وآمنت بالعجيبة حتى تجسّدها، فكان لها تقليدان يميزانها عن سائر اللبنانيين: زيارة السبع كنائس في "خميس الأسرار"، و"خميس الجسد الإلهي" ذكرى الأعجوبة التي نجّت المدينة من الطاعون. والخميسان منبعهما الكنائس التي منحت أسماءها لأحياء زحلة القديمة في "سوق البلاط".

شرايين المدينة المرتبطة بالكنائس

يحصي كهنة زحلة 12 كنيسة تعبق بتاريخ المدينة ونشأتها الأولى بين أزقة هذا السوق، من بين أكثر من خمسين كنيسة تتوزع على مختلف أحيائها.

ومن بين هذه الكنائس تنطلق سنويًا رحلة حج الزحليين ليلة خميس الأسرار. فيكون لقائهم حتميًا في مسافة لا تتجاوز الكيلومتر بين كنائس: مارجرجس، مار مخايل، مار الياس المخلصية، مار انطونيوس، مار يوسف الانطونية، مار تقلا، القديسة رفقا، ومزار الأب بشارة أبو مراد. وتكون بداية هذا المسار أو نهايته بين أحضان السيدة العذراء وكنائسها التي منحت المدينة هويتها، ولجأت زحلة دائمًا الى شفاعتها: كنيسة سيدة الزلزلة الأرثوذكسية التي تخرق العرف الكنسي، وتفتح أبوابها للمصلين في هذا اليوم، حتى لو لم تكن معنية بالطقس، كاتدرائية سيدة النجاة وكابيلا السيدة العذراء الملاصقة لها.

وكما في "خميس الجسد"، تصبح زحلة في هذه المناسبة كنيسة واحدة. لا فرق فيها بين كاثوليكي وماروني وحتى أرثوذكسي. فتسقط الفروقات بين أبناء المدنية، ويتحولون خلالها كلهم، كبارًا وصغارًا، "زحالنة".

رائحة الجنوب في حلل زحلة

وهكذا إذا استعيدت الروح في السوق الذي يستمد اسمه من البلاط الذي رصف به منذ القرن التاسع عشر ليل أمس. وبينما تدفّق الناس مجددًا بين الشرايين التي تربط أحياء زحلة عبر أدراج وأزقّة، أو "زواميق" كما يسميها الزحليّون، ذكّرت "ع دروب زحلة" بالآية التالية من إنجيل متى: "إن اتفق اثنان على الأرض في أي شيء يطلبانه، فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات".

على هذه الآية إرتكزت "ع دروب زحلة" لتشبك صلاتها مع صلاة أهل الجنوب. فعبقت حلّتها التي خصصتها للـ"زنغل" في العام الماضي، بروائح الجنوب وعطره المنكّه بالزعتر، ماء الزهر والحمضيات. وكلّلت حلّتها بالغار، لتؤكد أننا في زحلة " مؤمنون بصلاة الجماعة التي علّمنا إياها المسيح".

قد تكون مبادرة "ع دروب زحلة" شمعةً في طريقٍ مظلم، لكنها تختزن غنى تجربة أهل الأرض، الذين كما بنوا مدينتهم بأيديهم، واجهوا بنفسهم المخاطر التي أحاطت بها عبر التاريخ، الى أن أصبحت ثالث أكبر مدن لبنان، على رغم صغر سنّها. وبتمسّكهم بالجذور، يعبّر الزحليون عن أصالة مدينتهم، ولا سيما في علاقتها بوحدة لبنان وتمسّكها بكل شبر منه، بدءًا من الجنوب. لأن "الأرض لأهلها، والجنوب لكلّ لبنان".