خضر نجدي

صوتٌ يجب أن يترافق مع صوت المعركة: لبنان بين البطولة وخطر خسارة المكان

5 دقائق للقراءة

في لبنان، يرتفع صوت المعركة كلما اشتدّت المواجهة، حادًا ومشحونًا بالبطولة والتضحية. وهو صوت مشروع، بل ضروري، لأنه يعكس إرادة الصمود ورفض الخضوع، ويمنح المقاتلين معنًى لما يبذلونه من دماء وأعمار. غير أنّ هذا الصوت، على أهميته، لا يمكن أن يكون الصوت الوحيد. إذ ثمة صوت آخر، لا يقل أهمية، يجب أن يترافق معه: صوت قراءة المآلات، والتعلم من التجارب، ولان التجربة ايضا تُظهر أن هذا الصوت، حين يبقى وحيدًا، قد يقود إلى خسارة مركّبة، لا تُقاس فقط بنتائج الميدان، بل بمصير المجتمع .

هذا الدرس ليس نظريًا في السياق اللبناني، بل هو خلاصة تاريخ طويل من المواجهات، من الحرب الأهلية اللبنانية إلى حرب تموز 2006، وصولًا إلى جولات التصعيد المستمرة منذ عام 2023. في كل هذه المحطات، ارتفعت رايات البطولة، وسُجّلت تضحيات جسيمة، لكن السؤال الذي بقي معلقًا دائمًا كان: ماذا بعد؟

إن النظر إلى المواجهة بوصفها فعل بطولة هو جزء من الحقيقة، لكنه ليس كلّها. فالتاريخ لا يُكتب فقط باللحظات المشتعلة، بل أيضًا بما تؤول إليه هذه اللحظات من نتائج. والتجربة اللبنانية نفسها تُظهر أن التضحيات، مهما بلغت، يمكن أن تتحول إلى خسارة صافية إذا لم تُحسن إدارتها، وإذا لم تُستثمر في سياق يحقق أهدافها .

وقبل التطرق الى حديث الأرقام لا بد من الاشارة الى ان مقاربتنا هذه تتوخى التمعن بها قبل رذلها ووضعها في مصاف الادعاء انها محبطة وتحد من عزيمة المواجهة التي يخوضها الشبان دفاعا عن بلداتهم وقراهم ، بغض النظر عن منطلقات هؤلاء التي تحمل آلاف الأسئلة ، بل ربما تتقصد المقاربة هذه مطالبة منيتحملون ارفع المسؤولين في المجلس النيابي أوّلًا، ورئاسة الجمهورية والحكومة وكافة المعنيين، بالمبادرة النشطة مع كافة الجهات المحلية والدولية، والتوجه الى قيادة المقاومين لشرح اخطار وكلفة ما ينتظرنا من خسارة وجودنا جميعًا، مهما كانت نتائج الحرب الدائرة.

إن الأرقام الحديثة لا تترك مجالًا كبيرًا للإنكار. فالمواجهات الأخيرة (2023–2025) ألحقت بلبنان خسائر وأضرارًا تُقدّر بأكثر من 14 مليار دولار، مع تضرر عشرات آلاف الوحدات السكنية، وانكماش اقتصادي إضافي في بلد كان قد فقد أصلًا أكثر من ثلث اقتصاده منذ عام 2019. لم يعد الأمر مجرد دمار عابر يمكن ترميمه، بل بات مسارًا تراكميًا يُضعف القدرة على التعافي، وهذه الخسائر لا تقاس بما يجري الآن، بعد ما نراه من تفريغ كلي للبشر والحجر، في قرى الجنوب.

ولا تقف الكلفة عند الاقتصاد. فموجات النزوح الواسعة لتي طالت مئات آلاف اللبنانيين، بينهم عدد كبير من الأطفال تكشف عن خطر أعمق من مجرد التهجير المؤقت. فالتجربة اللبنانية، كما في سنوات الحرب، تُظهر أن النزوح حين يطول يتحول إلى هجرة، وأن الأماكن التي تُفرغ من سكانها لا تستعيدهم بسهولة. هنا لا نتحدث فقط عن دمار في الحجر، بل عن تفكك في العلاقة بين الإنسان ومكانه.

وفي موازاة ذلك، يتعرض قطاع التربية لضربة قاسية. آلاف الطلاب ينقطعون عن التعليم، مدارس تتحول إلى مراكز إيواء، ومسار تعليمي يتفكك تدريجيًا. وهذا لا يعني فقط خسارة سنة دراسية، بل خسارة جزء من مستقبل جيل كامل، في بلد يعاني أصلًا من نزيف في موارده البشرية.

أما العمران، الذي كان في مراحل سابقة شاهدًا على قدرة اللبنانيين على النهوض، فيواجه اليوم تحديًا مختلفًا. ففي ظل دولة شبه عاجزة وانهيار مالي عميق، لم يعد إعادة البناء أمرًا مضمونًا. بل إن الدمار، في كثير من الحالات، قد يتحول إلى حالة دائمة، تفرض واقعًا جديدًا من الفراغ العمراني.

هنا تبرز الإشكالية الأخطر: خطر خسارة المكان نفسه. فالمواجهة، حين تتكرر في ظل اختلال واضح في موازين القوى اثناء المواجهات المباشرة، لا تؤدي فقط إلى استنزاف القدرات، بل إلى تفريغ المناطق من سكانها عبر النزوح الطويل أو الهجرة الدائمة. وقد شهد لبنان ذلك خلال الحرب الأهلية، حيث تغيّرت ديموغرافيا مناطق واسعة، كما شهدناه جزئيًا بعد 2006، ويتكرر اليوم بشكل أكثر حدّة بفعل الانهيار الاقتصادي.

إن فقدان المكان لا يعني فقط خسارة جغرافيا، بل خسارة البيئة الحاضنة لأي مقاومة مستقبلية. صحيح أن التجارب التاريخية تؤكد أن المقاومة يمكن أن تعيد تشكلها، كما حصل بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، إلا أن السياق الحالي أكثر تعقيدًا: فالهجرة الواسعة المترافقة مع التدمير الكامل لقرى الجنوب، وتفكك مؤسسات الدولة وانهيار قطاع التعليم وتدميره، كلها عوامل تجعل إعادة إنتاج هذه البيئة أكثر صعوبة بكثير.

وفي مقابل هذا الواقع، لا يمكن تجاهل حقيقة أن العدو لا ينظر إلى هذه الكلفة من زاويتنا. بالنسبة له، فإن إضعاف البنية الاجتماعية، ودفع السكان إلى النزوح، وتعطيل الاقتصاد، ليست مجرد نتائج جانبية، بل قد تكون جزءًا من أهداف المواجهة. وهذا ما يجعل تجاهل الكلفة الداخلية خطأً مضاعفًا، لأنه يلتقي، من حيث لا ندري، مع ما يريده العدو.

من الناحية القانونية، لا جدال في حق الدفاع، وهو حق يكرّسه ميثاق الأمم المتحدة، كما يؤكده الدستور اللبنانية. لكن هذا الحق لا ينفصل عن مسؤولية أساسية: حماية المجتمع الذي يُفترض الدفاع عنه. فالمعادلة ليست بين المقاومة والتراجع، بل بين مقاومة تُحسن إدارة كلفتها، وأخرى قد تقود إلى استنزاف مفتوح.

من هنا، يصبح واضحًا أن صوت المعركة، على ضرورته، لا يكفي وحده. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على البقاء، وعلى تحويل التضحيات إلى نتائج، لا إلى خسائر متراكمة. إن غياب صوت الحساب، وغياب قراءة التجارب، والاستمرار في المسار نفسه رغم تبدل الظروف، قد يقود إلى أخطر نتيجة ممكنة: مجتمع منهك، ومكان فارغ، ومستقبل أكثر قسوة.

في النهاية، ليست المشكلة في المعركة بحد ذاتها، بل في أن تُترك دون إدارة عقلانية، ودون وعي بكلفتها الشاملة. فلبنان، الذي قدّم الكثير من التضحيات، لا يملك ترف تكرار الأخطاء نفسها. وصوت المعركة، مهما كان عاليًا، يبقى ناقصًا إن لم يترافق مع صوتٍ آخر، يوازيه في القوة: صوت يرى النهاية قبل أن تبدأ، ويحاول أن يحمي ما تبقى قبل أن يُفقد .