إلسي الخوري

من دم بيار معوّض تبدأ المواجهة: بيوتنا ليست وقودًا لحروبكم...

3 دقائق للقراءة

منذ اندلاع الحرب، سارع اللبنانيون إلى ما اعتادوا عليه في الأزمات: فتحنا بيوتنا قبل أن نسأل، واستقبلنا النازحين بقلوبٍ أوسع من الجدران، لأن الإنسانية عندنا لا تُقاس بالانتماء بل بالمحبة.

استقبلت مناطق عديدة عائلات نازحة من الجنوب والبقاع، دون تمييز أو تدقيق في الهوية والانتماء. كان الدافع إنسانيًا بحتًا، نابعًا من قناعة راسخة بأن اللبناني، أيًّا كان، هو أخٌ في المحنة قبل أي اعتبار آخر.

غير أنّ هذه الصورة سرعان ما اصطدمت بواقعٍ أكثر قسوة. فالحرب التي يعيشها لبنان اليوم لم تكن خيارًا وطنيًا جامعًا، بل نتيجة قرار أحادي زجّ بالبلاد في مواجهة تفوق قدراتها. ومع تصاعد التوترات، لم تعد التداعيات محصورة في الجبهات، بل امتدّت إلى قلب المناطق السكنية الآمنة، حيث دفعنا الثمن من أمننا وأرزاقنا واستقرار عائلاتنا.

في هذا السياق، يبرز سؤال مشروع: هل يُكافأ التضامن بتحويل البيوت إلى خطوط تماس؟ وهل يُردّ الاحتضان بجرّ الحرب إلى الأحياء الآمنة وجعل سكانها دروعًا بشرية؟ هذه الأسئلة لم تعد تعبيرًا عن موقف سياسي، بل صرخة تعكس قلقًا متزايدًا لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب معادلة لم يختاروها.

ومع سقوط الرفيق بيار معوّض وزوجته والسيدة رولا مطر، ضحية حربٍ لا تشبه اللبنانيين، تبدّل المزاج العام بشكل واضح. لم يعد الأمر يُقارب فقط من زاوية التضامن أو الاستيعاب، بل بات مرتبطًا مباشرةً بالأمن الشخصي والوجودي للناس. هذا الحدث شكّل صدمة دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في واقع النزوح العشوائي داخل الأحياء السكنية، وإلى المطالبة بتنظيمه ضمن أطر واضحة تحمي الجميع.

من هنا، ترتفع الدعوات إلى التزام مراكز الإيواء المخصصة، ليس بدافع التمييز أو الرفض، بل انطلاقًا من الحرص على سلامة الجميع. فوجود النازحين في مناطقنا يشكّل خطرًا على المجتمعات المضيفة و يعرّضهم لمخاطر جسيمة، ويجعلهم في دائرة الاستهداف.

المعضلة لا تتعلق برفض مبدأ المواجهة بحد ذاته، بل بطريقة إدارتها ومكانها. فالمطالبة بتحمّل المسؤولية تعني، أولًا، عدم تعريض المدنيين للخطر، وعدم اتخاذ المناطق السكنية منصات لأي عمل عسكري. لبنان، بتركيبته الهشة وظروفه الاقتصادية المنهكة، لا يحتمل أن يكون ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصة لحروب بالوكالة.

طوال الفترة الماضية، التزم كثيرون الصمت، لا عن ضعف، بل حرصًا على الحد الأدنى من التماسك الداخلي ومراعاةً لمشاعر فئات متضررة. إلا أن هذا الصمت بدأ يُفسَّر في بعض الأحيان على أنه قبول بالأمر الواقع، أو تسليم بسياسات تضع حياة الناس وممتلكاتهم في مهب الخطر.

اليوم، ترتفع الأصوات مطالبةً بوضع حد لهذا المسار. فحماية اللبنانيين لا تكون بالشعارات، بل بضمان أمنهم الفعلي وعدم زجّهم في مواجهات لا قدرة لهم على تحمّل تبعاتها. كما أن الحديث عن “الفتنة” يفقد معناه حين تُمارس سياسات تؤدي عمليًا إلى تعميق الانقسام الداخلي بدل احتوائه.

في الخلاصة، لا يطلب اللبنانيون أكثر من حقهم الطبيعي: أن يعيشوا بأمان في بيوتهم، بعيدًا عن نيران صراعات لا يملكون قرارها. لبنان، الذي أثقلته الأزمات، لم يعد يحتمل مغامرات إضافية. وبين الشعارات والواقع، تبقى كرامة اللبنانيين وأمنهم خطًا أحمر لا يمكن التهاون فيه.


رئيسة دائرة الإعلام في جهاز التنشئة السياسية في حزب القوات اللبنانية