المخرج رمال أبي يونس

مملكة هرمز.. من يملك البحر اليوم يفرض فاتورة الغد

7 دقائق للقراءة

هرمز... مملكة تقع عند مدخل الخليج العربي واتخذت لاحقا من جزيرة هرمز مركزا لها، وهي اليوم تتبع محافظة هرمزغان. ونشأت في القرن الحادي عشر الميلادي، وبرزت كإحدى أهم الممالك التجارية في منطقة الخليج العربي، حيث استفادت من موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب.

قبل 2000 عام من الميلاد، وهرمز بوابة العالم القديم، منذ العصور البرونزية ومضيق هرمز يعدّ ممرًا أساسيًا يربط الخليج بالعالم الأوسع، حيث عبرت منه التجارة بين حضارات بلاد الرافدين ودلمون ومجان ومناطق أبعد في المحيط الهندي.

وبعد 1000 عام قبل الميلاد ومع صعود الإمبراطوريات القديمة، أصبحت السيطرة على طرق الملاحة في الخليج أداة قوة، والمضيق لم يكن مجرد ممر مائي، بل وسيلة لحماية التجارة وفرض النفوذ والضرائب.

وصولا الى العصور الكلاسيكية وما بعدها، حيث اعتبر هرمز شريان للتجارة بين الشرق والغرب، وتحول إلى معبر تجاري مهم بين الهند وبلاد فارس وشبه الجزيرة العربية حيث مرت عبره التوابل والمنسوجات والمعادن واللؤلؤ والسلع النفيسة.

وفي العصر الإسلامي ومع ازدهار التجارة، إعتبر هرمز حلقة وصل داخل شبكة تجارية ضخمة، حيث ازدادت أهميته كممر يربط البصرة وعمان والهند وشرق أفريقيا حيث أصبحت الموانئ القريبة منه أكثر ثراء وتأثيراً.

وبين القرن 13 إلى 16 برزت مملكة هرمز كمركز تجاري مزدهر بفضل موقعها الاستراتيجي، ولم تأت قوتها من المساحة أو الزراعة بل من قدرتها على التحكم بحركة التجارة في نقطة عبور حاسمة.

أما من العام 1500 وما بعده فسيطر البرتغاليون على هرمز، وكانوا يدركون أن من يمسك هذا الممر يستطيع التأثير في تجارة المنطقة كلها، وهكذا أصبح المضيق جزءاً من صراع القوى البحرية العالمية.

وبين القرنين 17 الى 19 وبعد البرتغاليين، استمرت القوى الإقليمية ثم البريطانية في إدراك أهمية المضيق، وظل نقطة استراتيجية للملاحة، والتحرك العسكري، وحماية المصالح التجارية.

أما في القرن 20 ومع اكتشاف النفط في الخليج، دخل مضيق هرمز مرحلة جديدة ولم يعد فقط طريقاً للتجارة التقليدية، بل أصبح أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وتمرعبره صادرات تؤثر في الاقتصاد العالمي كله.

وبعد هذا التاريخ يعتبر هرمز ممرًا ضيقًا ولكن تأثيره العالمي هائل، فهو يبقى واحداً من أخطر وأهم الممرات البحرية في العالم، واي توتر فيه قد ينعكس فوراً على أسعار النفط، وحركة الشحن، وأمن الطاقة العالمي.

فمنذ 2000 عام قبل الميلاد وصولا الى يومنا هذا، لم يكن مضيق هرمز مجرد ممر مائي بل بوابة للتجارة، ومفتاحاً للنفوذ، ونقطة يتغير عندها ميزان العالم كله.

واليوم لم تعد هذه المملكة التاريخية مجرد نقطة جغرافية مهمة على خريطة الملاحة، بل تحوّلت إلى عقدة تحكم في النظام الاقتصادي العالمي والمسألة تجاوزت ذلك بكثير. ما يتشكل اليوم ليس أزمة عابرة، بل نموذج جديد من السيطرة، يمكن وصفه ببساطة: ابتزاز عالمي مغلّف بلغة الأمن ومن يظن أن الحديث يدور حول إغلاق المضيق.. لم يفهم اللعبة بعد.

فالإغلاق سلاح تمويه وما يُطبخ اليوم فهو أكثر دهاءً بكثير فمن يسيطر على هرمز لا يحكم البحر بل يتحكم بالاقتصاد.

اليوم إيران تغلق مضيق هرمز، وتهدد بإغلاق باب المندب أيضاً، الممر المائي الحيوي الذي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس. ورغم أن طهران لا تسيطر عليه مباشرة، فإن نفوذ الحوثيين المدعوم منها يجعله هدفاً تاليا رداً على أي تحرك أمريكي.

لكن ماذا سيحدث إذا تم إغلاق المضيقين معاً؟

إغلاق المضيقين معاً يعني شللاً تاماً لقناة السويس، ما يكبد مصر خسائر اقتصادية فادحة فورية، وسيجبر ذلك السفن على الإبحار حول رأس الرجاء الصالح مضيفاً 18 يوماً لكل رحلة. وبالفعل لقد بدأت شركات الشحن هذا التغيير تحسبا للتصعيد، والمستهلك العالمي هو الضحية الأولى لهذا الحصار، فإطالة الأمد لهذه الرحلات تعني قفزة في تكاليف الشحن والسلع الأساسية. ومع سيطرة هذه التهديدات على 20% من إمدادات النفط، و12% من التجارة العالمية، تضع الممارسات الإيرانية عصب الاقتصاد العالمي في مأزق خطير مهددة بدفع أسعار السلع إلى مستويات غير مسبوقة والعالم غير مستعد لهذا السيناريو.

ولكن ماذا لو أخبرتك أنا عن حقيقة لا تعرفها أنت ؟ وهي أن إيران تحول هذا المسار المائي إلى أغلى نقطة تفتيش في العالم. بعبارة بسيطة ان تدفع تعبر، لا تدفع ستنتظر أو تستهدف. وهنا تخيل أنك تملك ناقلة نفط بمليارات الدولارات لكن لا تستطيع التحرك متراً واحداً الا إذا حصلت على كود سري ودفعت الرسوم. وهنا تبدأ القصة الصادمة. فمثلا شركة نفطية عالقة بالخليج تتلقى عرضاً غريباً الا وهو: تريد المرور بأمان؟ غيرعلم السفينة ارفع علم باكستان وتمتع بمرافقة عسكرية. وإلا ستبقى عالقاً حتى إشعار آخر. فوفق وكالة بلومبيرغ الحرس الثوري يسيطرعلى المضيق، وهو يحدد من يعبر ومن يمنع ومن يهاجم. والأمر لا يتوقف عند السياسة بل يتحول إلى إقتصاد كامل. والمفاجأة الكبرى هي أن عملية الدفع ليست بالدولار بل باليوان الصيني أو العملات الرقمية للحصول على المرور. وبعد الدفع تتواصل مع وسيط وتقدم كل بيانات السفينة ويتم تدقيق الأمني ثم تحصل على كود عبور تبثه عند الاقتراب من المضيق فتأتي دورية وترافقك حتى الخروج. مع إن كل هذا مخالف للقانون الدولي الذي يقول لا يجوز فرض رسوم على المرور لكن الواقع يقول من يسيطر على الأرض يفرض القواعد.

فنحن على موعد مع أكبر عملية ابتزاز مشرعن في التاريخ. وإن كنت تعتقد أن إغلاق إيران لمضيق هرمز هو مجرد تصعيد عسكري فأنت مخطىء. فطهران لا تريد تدمير التجارة العالمية بل هي تحاول كسب مليارات الدولارات من خلال استثمار هذه النقطة الحيوية عالميا (هرمز) والسيطرة عليها خاصة أن جزءا ضخما من نفط العالم ينتقل من خلالها. خاصة بعد الأضرار الكبيرة الناتجة عن الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وإيران تعلم أن العالم لا يمكنه ببساطة تجاهل هرمز. وفي الوقت نفسه خلف الكواليس تساعد روسيا والصين إيران بهدوء عبر استخدام المعلومات الاستخباراتية من الأقمار الصناعية مما يجعل هجماتها أكثر دقة. وهذا يحول النظام من صراع إقليمي إلى مواجهة قوى عالمية.

اليوم إيران تبني أغلى كشك تحصيل رسوم في العالم. سيجلب لها حوالي ال 50 مليار دولار سنويا، ولغة الأرقام لا تكذب، فيوميا يمر من هرمز حوالي 20 مليون برميل نفط، وبحسبة اقتصادية بسيطة مبنية على أسعار التأمين البحري الحالية، لو وضعت إيران فرضا ضريبة أمنية قيمتها 5 دولار فقط للبرميل، فإننا نتحدث عن إيرادات قد تتجاوز 36 مليار دولار سنوياً، أضف لها رسوم حماية سفن الغاز المسال وسفن الحاويات التجارية وسلاسل التوريد فالنتيجة قد تصل الى 50 مليار دولار كاش، تدخل في خزائن طهران كل عام كأتاوة سياسية. والفكرة هنا أن إيران لم تسمها ابتزاز، بل ستمررها تحت غطاء بروتوكول حماية أمنية وبيئية برعاية دولية لضمان عدم استهداف السفن.

والآن.. هل فهمت اللعبة؟ يبدو أن إيران تبحث عن مضاعفة ميزانيتها السنوية، وتسعى لنسف العقوبات الأمريكية بالكامل دون أن تبيع قطرة نفط واحدة إضافية. ولكن من سيدفع ال 50 مليار دولار في حال صح هذا السيناريو؟ أنت.. وشركات الشحن ستمرر التكلفة مباشرة لجيبك. أنت من سيدفع ثمن هذه الحرب عند تعبئة سيارتك بالبنزين أو عند شراءك الطعام من السوبرماركت. قد نكون أمام خيارين، إما أن يدفع العالم هذه الخاوة صاغرا لإنقاذ الاقتصاد، أو نذهب لحرب عالمية شاملة تكسر هذا الخرق.

وبعد أن عرفنا تاريخ هرمز القيَم على مر العصور، اليوم إيران بسيطرتها على هذا المضيق ترسم من خلال سيناريوهاتها وقدراتها الحربية صورة تريد إبرازها للعالم وتسأل كل من ينظر اليها: من يسيطر على البحر هو من يملك النفوذ فمن يملك الجرأة لكسر اليد التي تملك هذا النفوذ؟