توقّفوا عن مناشدة "الدولة". كفى هذا الوهم. ما نعيشه اليوم ليس تقصيرًا عابرًا ولا خللًا إداريًا، بل انهيار كامل لفكرة الدولة نفسها. الدولة التي يُفترض أن تحمي مواطنيها، تخلّت عنهم وتركتهم مكشوفين، بلا أمان، بلا قرار، وبلا قيمة.
ما يُسمّى "الدولة العميقة" ليس سوى كيان منفصل، يعيش خارج واقع الناس، لا يرى دماءهم ولا يسمع صرخاتهم. نحن في وادٍ، وهم في وادٍ آخر. وبيننا فجوة اسمها الإهمال، واللامبالاة، وانعدام المسؤولية.
في هذا الفراغ القاتل، لم يعد أمام المواطن ترف انتظار أحد. المسؤولية اليوم تبدأ من الفرد: أن يحمي نفسه، وأهله، ومحيطه، من خطرٍ بات يوميًا ومباشرًا. وعلى البلديات أن تتوقّف عن لعب دور المتفرّج، وأن تقوم بواجبها الكامل في التدقيق بمن يسكن بين الناس، لأن أي تهاون هو شراكة غير مباشرة في الخطر.
أما الحقيقة الأكثر فجاجة، فهي أنّنا نُساق إلى حروب لا علاقة لنا بها. لم يختر الناس هذه المواجهات، ولم يقرّروا دفع هذا الثمن الدموي. هناك من قرّر، ونحن ندفع. هناك من يخوض معاركه، ونحن ندفن أبناءنا.
لن نقبل أن يتحوّل موت شبابنا إلى خبر عابر. لن نصمت. لن نتأقلم. هذا الواقع ليس قدرًا، بل نتيجة قرارات مفروضة بقوة السلاح وبغياب الدولة.
أي دولة هذه التي تترك شعبها مشاريع ضحايا؟ أي سلطة هذه التي تراقب الكارثة على الشاشات وكأنها خارج الحدث؟ من يحكم فعليًا؟ ومن يقرّر مصير الناس؟
الحقيقة القاسية انّ الدولة التي لا تنفّذ قراراتها ليست دولة، بل هيكل فارغ. لا سيادة بلا قرار، ولا قرار بلا تنفيذ.
حصرية السلاح ليست تفصيلًا سياسيًا، بل مسألة حياة أو موت. هذا قرار لبناني يجب أن يُفرض لا أن يُناقش إلى ما لا نهاية. وكذلك أي تدخّل خارجي يجب أن يُواجَه بقرار سيادي واضح، لا بمواقف رمادية خجولة.
أما المهزلة الأكبر، فهي القرارات التي تُعلَن ولا تُنفّذ. هذه ليست مجرد فشل، بل خداع مكشوف. لأن القرار الذي يبقى حبرًا على ورق، أخطر من غيابه، إذ يخلق وهم الدولة فيما الحقيقة هي غيابها الكامل.
الخلاصة؟ لم يعد السؤال: أين الدولة؟
السؤال الحقيقي: هل ما زالت موجودة أصلًا؟
وإذا لم تكن موجودة، فالمواطنون مضطرون حماية انفسهم بالسبل المتاحة لهم… هل هذا ما نطمح اليه؟ اليس هذا ما يؤدي إلى تفكيك الدولة وانهيارها في وقت نتوق لدولة قوية قادرة! على الدولة ان تحزم امرها لأن الناس لن تبقى وقودًا لصراعات لا تخصّها، ولن تستمر في دفع ثمن عجزٍ لم
ناشطة سياسية واجتماعية