الياس دمّر

في فيلم "Do You Love Me"... ذاكرة الوطن بِلُغة حبّ سينمائيّة

6 دقائق للقراءة

في بلدٍ يتآكل فيه التاريخ الرّسمي أو يُعاد تشكيله وفق سرديّات مُتناقضة، يأتي فيلم "Do You Love Me" للمُخرجة لانا ضاهر ليُقدّم نموذجًا مُغايرًا للوثائقي، لا بوصفه أداةً لتوثيق الماضي فحسب بل كوسيلةٍ لإعادة اختباره حسّيًّا ووجدانيًّا. نحن أمام عمل لا يسرد التاريخ بقدر ما يستحضره، ولا يُفسّره بقدر ما يُعيد تركيبه من شظايا متناثِرة.

يقوم الفيلم على استخدام مُكثف للأرشيف البصري، مُمتدًّا على سبعة عقودٍ طويلة من تاريخ لبنان، ليصوغ ما يُشبه "كولاجًا" سينمائيًّا ينبض بالحياة. غير أن قوّة هذا العمل لا تكمن في وفرة مواده، بل في طريقة تنظيمها، إذ يتخلّى عن السّرد الكلاسيكيّ، فلا مُقابلات مُباشرة ولا تعليق صوتيًّا يوجّه المُتلقّي ولا تسلسل زمنيًّا واضح. بدلًا من ذلك، يُترَك للمُشاهد مهمّة الربط بين الصُّوَر في تجربة مُشاهَدة تفاعليّة تُشرِكه في إنتاج المعنى.


تاريخ من شظايا الصُّور

هذا التفكيك المُتعمَّد لبُنية السّرد، يُحوّل الفيلم إلى فسيفساء من اللّحظات: أفراح، رقص، يوميّات عابرة، تتجاور مع مشاهد الحرب والدمار. التناقض هنا ليس عَرَضيًّا، بل هو جوهر التجربة اللبنانيّة كما يُقدّمها الفيلم، في حياةٍ تتأرجح باستمرار بين النقيضَين من دون أن تستقر في أحدهما. في هذا السّياق، يبرز المونتاج كأداة فلسفيّة لا تقنيّة فقط. الانتقالات الحادّة بين الفرح والانهيار تخلق إيقاعًا خاصًّا يجعل من التناقض نفسه لغة سينمائيّة. إحدى أبرز لحظات الفيلم تجمع بين موسيقى احتفاليّة وصُوَر تدهور بيئيّ، في مفارقة بصريّة تختصر قدرة اللبنانيّين على الاستمرار في الحياة رغم الانهيارات المُتكرّرة. هكذا، يصبح الإيقاع، لا الحدث، هو الحامل الأساسي للمعنى.

ينطلق العمل أيضًا من فكرة غياب التاريخ المُعاصر عن المناهج الرسميّة، ما يجعل الذاكرة الجماعيّة عرضة للتشظي أو النسيان. هنا، يتحوّل الأرشيف إلى فعل مواجهة، لا عبر تقديم سرديّة بديلة مُتماسكة بل عبر الاحتفاظ بتعدّد الأصوات واللّحظات. فالذاكرة التي يقترحها الفيلم ليست بطوليّة ولا مؤدلجة، بل إنسانيّة في جوهرها تنبض بالتفاصيل اليوميّة والهشاشة والحميميّة.


بيروت فوق تواريخ من الرُّكام

أمّا بيروت، فتظهر في الفيلم بوصفها شخصيّة قائمة بذاتها، لا مُجرَّد بقعة أو خلفيّة للأحداث. إنها المدينة التي تتبدّل باستمرار حاملةً آثار الزمن على جسدها، والتي تعيش حالةً دائمة من إعادة التشكُّل. لا يسأل الفيلم "ماذا حدث؟"، بقدر ما يسأل "كيف نعيش ما حدث؟"، فيحوّل المكان إلى تجربةٍ شعوريّة أكثر منه موقعًا جغرافيًّا.

ما يمنح "Do You Love Me" فرادته، هو هذا التوازن الدّقيق بين نبراتٍ مُتناقضة، بين الفرح والحزن، بين الجمال والتشويه. فهو يحتفي بالحياة، بالموسيقى، وبالصُّور الشعبيّة، لكنه في الوقت نفسه لا يتجاهل الفقد والانهيار. النتيجة عمل مُمتع - مؤلم، يرفض تبسيط التجربة أو اختزالها.

حتى المشهد الأخير، لن يُقدّم الفيلم إجابةً مُباشرةً على سؤاله: "?Do You Love Me"، بل يتركه مُعلَّقًا ومفتوحًا على تأويلاتٍ مُتعدّدة. وكأنَّ السّؤال موجّه إلى بلدٍ بأكمله، إلى ذاكرته، وإلى علاقته بنفسه... بهذا المعنى، يتجاوز الفيلم حدود الوثائقي التقليدي ليُصبح مشروعًا ثقافيًّا يسعى إلى إعادة تعريف دور السّينما من وسيلةٍ لسرد الحكايات إلى فضاءٍ لإنقاذ الذاكرة، ومُمارسة فعل التذكّر بوصفه شكلًا من أشكال الثبات والصّمود والاستمراريّة.


شعورنا نحو التاريخ

في حوار مع "نداء الوطن"، تكشف المخرجة لانا ضاهر أنّ فيلمها لم يولد كعمل عن الحبّ بقدر ما كان محاولة أولى لفهم العلاقة بين الموسيقى والحرب، قبل أن يتحوّل تدريجيًّا إلى رحلةٍ شخصيّةٍ عميقة في معنى الانتماء إلى بيروت ولبنان. وتوضح ضاهر أن السؤال الذي يحمله عنوان الفيلم لم يعُد بالنسبة لها سؤالًا تطرحه هي على المدينة، بل شعرت خلال العمل وكأنّ بيروت نفسها هي التي تسأل أبناءها إن كانوا ما زالوا يحبّونها. ومن هذا المنطلق، أخذ المشروع منحى أكثر حميميّة إذ وجدت المُخرجة نفسها تغوص في علاقتها بالوطن، بالذاكرة، بطفولتها، وبمشاعر جيلٍ كاملٍ يعيش تحت وطأة دورات مُتكرّرة من العنف والاضطراب.

وتُشير ضاهر في حديثها إلى أن هذه التجربة لم تبقَ فرديةً، بل سرعان ما اتسعت لتعبِّر عن مشاعر مُشتركة بين أجيالٍ مختلفة. لذلك اختارت الابتعاد عن السّرد التقليدي أو الصّوت التفسيري المباشر، تاركةً المجال لتُشكِّل صوتًا جماعيًّا ينبع من المواد الأرشيفيّة المتنوّعة التي بُني عليها الفيلم، وكأنّ العمل هو حصيلة أصواتٍ لبنانيةٍ متعدّدة تلتقي في مساحةٍ واحدة.

تتوقف ضاهر عند تجربة العمل مع المُوَلِّف قتيبة برهمجي، مؤكِّدةً أن مونتاج هذا النوع من الأفلام هو فعل كتابة في حدّ ذاته. وتكشف أنهما لم يكتفيا بتعديل النسخة الأولى، بل أعادا بناء الفيلم بالكامل من الصّفر، في محاولة لابتكار بُنية أكثر صدقًا، ترتكز على التجربة العاطفيّة لا على تسلسل الأحداث. وتشرح أن التحدّي الأكبر لم يكن فقط في جمع أكثر من عشرين ألف مادة أرشيفيّة، بل في اختيار ما ينبغي استبعاده. فقد تعمّدت ضاهر عدم تضمين صُوَر مباشرة للعنف أو مشاهد صادمة، مُفضلةً الإيحاء الصوتيّ والبُعد غير المباشر، حتى في مقاربة أحداث كانفجار مرفأ بيروت. وتقول إن هدفها كان تحرير صورة لبنان من اختزالها في الألم وحده، وفتح المجال أمام قراءة أكثر إنسانيّة وتعقيدًا للذاكرة.

من جهة اخرى، تؤكّد لانا ضاهر أن فيلمها لا يسعى إلى تقديم درسٍ في التاريخ، بل إلى مُلامسة المشاعر المُرتبطة به، خصوصًا أن الروايات التقليديّة غالبًا ما قُدّمت من زوايا سياسيّة أو سلطويّة. من هنا، يأتي فيلم "Do You Love Me" كمساحة بديلة، تعكس التجربة الشعوريّة للّبنانيّين أكثر ممّا تُعيد سرد الوقائع. وعن الجانب الشخصي، تعترف بأنّ الغوص في الأرشيف كان تجربة مؤلمة أحيانًا، لكنها كانت ضروريّة أيضًا إذ مكّنتها من مواجهة صُوَر أرادت لاحقًا استبعادها من الفيلم. وترى أن هذه العمليّة، رغم قسوتها، ساهمت في تحقيق نوع من النضج الداخليّ وإعادة فهم علاقتها ببلدها.

وفي معرض حديثها عن مفهوم الحبّ في لبنان، تُلمّح ضاهر إلى كونه شعورًا مُعقّدًا ومُتناقِضًا يجمع اللبنانيّين ويُفرّقهم في آن، فكلّ طرف يحبّ البلد بطريقته الخاصة، وكأنّ هذا الحبّ نفسه مساحة نزاع. وفي إجابة على استيضاحنا، تؤكّد ضاهر رغبتها في أن يصل فيلمها إلى جمهورٍ واسع، لا أن يبقى محصورًا في إطار النخبة السينمائيّة، مشيرةً إلى أن ردود الفعل التي تلقتها في لبنان والاغتراب كانت مؤثرة جدًّا، إذ شعر كثيرون بأنّ الفيلم يُعبِّر عنهم ويشبههم إلى حدّ بعيد. وتختم المُخرجة لانا ضاهر كلامها معنا، بالإشارة إلى احتمال إصدار نسخة أطول من الفيلم مستقبَلًا مع تفضيلها حاليًّا أخذ مسافة عن الفيلم، فيما تُبدي اهتمامها بترشيحه لتمثيل لبنان في دَورة "الأوسكار" المقبلة بالتوازي مع انتشاره الدولي.

فيلم "Do You Love Me" ليس مُجرَّد وثائقي، بل تجربة شعوريّة نادرة تضعك وجهًا لوجه مع نفسك ومع لبنان كما لم تشاهده مِن قبل. فإن أردتَ فهْم هذا البلد أو فهْمَ نفسك فيه، لا تفوّت فرصة مشاهدته في "سينما متروبوليس" (مار مخايل، بيروت)، يوميًّا حتى 15 نيسان الجاري.




ملصق الفيلم

المخرجة لانا ضاهر