تاريخيًا، أدّت "Pravda" دور الناطق الرسمي باسم الدولة السوفياتية، مُشكِّلةً التصوّر العام عبر التأطير الأيديولوجي. لم تستمدّ سلطتها من المصداقية، بل من قربها من السلطة. ولم يكن مهمًا أن تكون المعلومات كاملة أو دقيقة، بل أن تكون متسقة مع الخطّ السياسي. هذا النموذج يجد صدًى معاصرًا في الموقف التحريري لصحيفة "الأخبار".
والمقارنة هنا ليست تمرينًا في المبالغة البلاغية، ولا هي مؤسسية بقدر ما هي تشغيلية. فـ "الأخبار" ليست جهازًا تابعًا للدولة؛ غير أن خطّها التحريري يتماشى بصورة منهجية مع محور سياسي وعسكري مُحدّد، وعلى رأسه "حزب الله". هذا الاصطفاف، يتجلّى في كيفية تأطير الأحداث وفي بناء صور الحلفاء والخصوم؛ حيث تُنزع الشرعية عن بعض الفاعلين، بينما يُمنح آخرون حماية سردية.
كلا المطبوعتين تعملان ضمن أنظمة سياسية لا تُعدّ فيها وسائل الإعلام مجرّد وسيلة لنقل المعلومات، بل أداة للمواءمة. في مثل هذه البيئات، يُعاد تعريف دور الصحافة: ليس لمساءلة السلطة، بل لتبريرها.
ضمن هذا الإطار، كانت "الأخبار" موضع اتهامات متزايدة بنشر معلومات مضلّلة أو مختلقة، جرى تداولها على نطاق واسع عبر المنصّات اللبنانية والإقليمية. وعلى الرغم من صعوبة التعامل مع هذه الاتهامات بمعزل عن سياقاتها السياسية؛ إلا أنها، في الوقت نفسه، ليست خالية من مرتكزات واقعية. فقد تعرّض عدد من تقارير الصحيفة، للطعن أو التصحيح أو النقض من مصادر مستقلة، ما يثير تساؤلات مشروعة حول المنهجية والنيّة.
خلال النزاع السوري، على سبيل المثال، تعرّضت تغطية "الأخبار" لانتقادات متكرّرة، لكونها عكست أولويات السرد لدى النظام السوري وحلفائه، أكثر مما عكست وقائع قابلة للتحقق بشكل مستقل. وفي الآونة الأخيرة، برزت مخاوف مشابهة في سياق الحرب بين إسرائيل و "حزب الله". ومن أكثر الحالات إثارةً للجدل تقرير نشرته "الأخبار" زعم أن جنودًا إسرائيليين موجودون داخل كنيسة في بلدة دبل. سُرعان ما طعن مختار البلدة في هذا الادعاء، وتواصل مباشرةً مع الصحيفة لنفيه، محذرًا من تداعيات مثل هذه المعلومات.
هذا الحدث، الذي انتشر على نطاق واسع عبر منصّات التواصل الاجتماعي، يُظهر مشكلة متكرّرة تتجاوز مجرّد عدم الدقة. ففي سياق نزاعي، لا تُنشر الادعاءات غير الموثقة، خصوصًا تلك التي تمسّ مواقع مدنية حسّاسة، في فراغ؛ بل تسهم في تشكيل منطق تبرير الضربات.
ومن الأمثلة الأخرى، نشر خبر إعلان "حزب الله"، في 5 نيسان، استهداف بارجة حربية إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية وإصابتها بشكل مباشر، في وقت نفى فيه الجيش الإسرائيلي علمه بوقوع مثل هذا الحادث. وحتى الآن، لا توجد أي أدلّة دامغة تدعم هذا الادعاء. صحيح أن بعض الوسائل الإعلامية ذكرت المعلومة نفسها، لكنها اكتفت بوصفها ادعاءً منسوبًا، من دون تأكيد مستقل. وعليه، لا يبقى لدينا سوى رواية واحدة غير مؤكّدة، صادرة عن طرف واحد، "حزب الله"، لا مجموعة روايات متنافسة ذات صدقية متقاربة.
ثم عادت "الأخبار"، يوم الإثنين 6 نيسان، لتقدّم مقاربتها لما حصل في عين سعادة، قائلةً إن "رواية الهدف الحزبي سقطت سريعًا أمام الوقائع، ولا سيما في ظلّ عدم وجود أي قاطنين في الشقة المستهدفة". وأضافت أنه "بعدما روّجت وسائل إعلام لوجود قيادي في عين سعادة من دون تحقق، برزت بوضوح حملة تحريض متزامنة في تغطية قناة MTV".
بالطبع، لن ندخل هنا في تفاصيل قد تُناقض فرضية خلوّ الشقة من السكّان، سواء لجهة المعطيات الميدانية المتداولة أو التسجيل الصوتي للضحية بيار معوّض، الذي يشير إلى عكس ذلك.
ولأن التغطية الإعلامية التي تبدأ من استنتاج مُسبق ثم تبني السرد حوله، تُظهر بوضوح أن الفارق لا يكمن في الوصول إلى المعلومات، بل في المعالجة التحريرية لحالة عدم اليقين. فعندما تُقدِّم وسيلة إعلامية حكمًا يقينيًا في سياق لم تُحسم وقائعه بعد، فإنها لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تفرض نتيجة سردية مُحدّدة.
هنا بالضبط تكتسب المقارنة مع "Pravda" وزنها التحليلي. فالمسألة ليست أن المؤسستين تنشران معلومات كاذبة بشكل منهجي، بل إنهما تعملان ضمن منطق تُصبح فيه الحقيقة خاضعة للوظيفة. في هذا الإطار، يتحوّل دور الصحافي من مراقب إلى مشارك في إنتاج المعنى السياسي، عبر الاصطفاف، ومن خلال فهم ضمني لما يُمكن، وما لا يُمكن، قوله. والنتيجة هي نمط من الإعلام يحتفظ بمظهر التعددية، بينما يُعيد إنتاج حقل سردي شديد الانضباط.
باختصار، تقع "الأخبار" ضمن بيئة معلوماتية تتداخل فيها الحدود بين الصحافة والمناصرة والتواصل الاستراتيجي. ومن هذا المنطلق، لا تُعدّ المقارنة مع "Pravda" اتهامًا بقدر ما هي نطاق لفهم كيفية عمل وسائل الإعلام عندما تصبح أولويتها التأطير الحازم في ظل عدم اليقين، والانحياز إلى التوافق السردي، بما يقترب من منطق الصحافة النضالية.
عند تلك النقطة، لا تعود الصحيفة تكتفي بنقل الواقع، بل تبدأ بتنظيمه.