نبيل يوسف

آذار 1976 الشهر الفاصل في تاريخ الحرب اللبنانية

ولادة "الجبهة اللبنانية" ومغادرة رئيس الجمهورية بعبدا وزيارة دين براون

10 دقائق للقراءة
المؤرّخ جواد بولس الذي اقترح فكرة وتسمية "الجبهة اللبنانية"

كيف ولدت الجبهة اللبنانية؟ يقول رئيس الرابطة المارونية المحامي شاكر أبو سليمان في وصفه بدايات تأسيس "الجبهة اللبنانية"،إنه في 31 كانون الثاني 1976 ولدت في جامعة الروح القدس في الكسليك "جبهة الحرية والإنسان"، وضمت الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميل، الآباتي شربل قسيس، الدكتور شارل مالك، الشاعر سعيد عقل، الدكتور فؤاد شمالي والمحامي شاكر أبو سليمان وكان صاحب فكرة انشائها وتسميتها الدكتور شارل مالك.

يضيف: "استمرت جبهة الحرية والإنسان حتى شهر آذار من ذاك العام عندما تأسست "الجبهة اللبنانية"، وحول ظروف تأسيسها يقول إنه صباح 12 آذار بعد ساعات من إعلان العميد الركن عزيز الأحدب انقلابه العسكري، شهد قصر بعبدا نشاطًا سياسيًا ملحوظًا شارك فيه عدد من الرؤساء والوزراء والنواب، كانت قمته اجتماعًا ضم رئيس الجمهورية سليمان فرنجية، الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميل والآباتي شربل قسيس، أذيع على أثره بيان أكد تمسك المجتمعين بالحكم الشرعي الذي يمثله الرئيس سليمان فرنجية: من هذا الاجتماع بدأت تتكون فعليًا "الجبهة اللبنانية"، أما فكرتها وتسميتها فتعود للمؤرخ والوزير السابق جواد بولس.


مغادرة رئيس الجمهورية قصر بعبدا

لم يكن مرت ساعات على انتهاء جلسة مجلس الوزراء الثلاثاء 23 آذار التي أحالت إلى مجلس النواب مشروع تعديل الدستور، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل 6 أشهر من انتهاء الولاية الدستورية، حتى انفجرت عسكريًّا ليلًا بشكل لم تعرفه الجبهات من قبل، وعند منتصف الليل بدأت قذائف مدفعية جيش لبنان العربي المتمركزة قرب مطار بيروت تستهدف القصر الجمهوري في بعبدا، فأصابت عدة أجنحة فيه: كان قصف القصر الجمهوري تطورًا خطيرًا ومثيرًا

فشلت كل محاولات وقف إطلاق النار واشتد القتال في بيروت وجميع المحاور، وانفجرت حرب الجبل في شكل رهيب، والمعارضون للحكم يشترطون الاستقالة الفورية للرئيس فرنجية، والليل يصب الزيت على نار الجبهات فتزداد اشتعالاً، والبابا يوجه نداءً جديدًا لوقف المأساة اللبنانية، واتصالات لفتح الطرقات وتأمين النصاب لجلسة مجلس النواب لتعديل الدستور حيث يتوجب حضور ثلثي الأعضاء، وعشرات الجثث تنتشر في الشوارع ولا تجد من ينقلها، وحرب الجبل تتوسع أكثر فأكثر

استمر قصف القصر الجمهوري طوال نهار وليل 24 آذار، وعند الساعة الخامسة من فجر الخميس 25 آذار تعرض القصر لقصف عنيف غير مسبوق لم يوفر غرفة أو ممرًا وأحصي سقوط قرابة 90 قذيفة خلال أقل من 4 ساعات، فأصيب مكتب الرئيس وجناحه إصابات مباشرة، لكن الرئيس فرنجية رفض المغادرة رغم إصرار المحيطين به وبقي صامدًا على كرسيه في الغرفة الزجاجية، وفي رسالته من القصر وصف أحد المراسلين الرئيس فرنجية بالقول: لم أشاهد في حياتي شخصًا بهذه الأعصاب الفولاذية، كان هادئًا يوزع تعليماته وكأن كل شيء تحت السيطرة.

عاد الرئيس ووافق على الانتقال إلى كسروان بعد أن اقتنع من الضباط أن المواصلات بين القصر وبقية المناطق أصبحت شبه مستحيلة، الأمر الذي سيعطل دور رئاسة الجمهورية، وعند الساعة 9 قبل الظهر تقريبًا، غادر مع عائلته وبعض مساعديه، وتوقف في منزل الشيخ بطرس الخوري في النقاش حيث بدأ بعض النواب والشخصيات بالوصول ومما قاله أنه مصمم على البقاء في الرئاسة والدفاع عن الشرعية حتى آخر يوم من ولايته، وأن لبنان يتعرّض لمؤامرة عربية ودولية والمطروح على البحث ليس مصير سليمان فرنجية كشخص وإنما مصير لبنان بنظامه ووحدة أرضه.

من النقاش توجه الرئيس إلى القصر البلدي في الذوق، ومساء ترأس لقاء حضره 19 نائبًا مارونيًا أطلعهم خلاله بصراحة على المؤامرة التي تستهدف الوطن التي تشترك فيها عدة دول عربية وأجنبية وعرض مراحل المؤامرة منذ ذهابه إلى نيويورك ونقل النواب عنه إصراره على العودة إلى قصر بعبدا، ومساءً انتقل إلى منزل الدكتور لوسيان دحداح في الكفور لقضاء ليلته الأولى خارج قصر بعبدا.

في هذه الأجواء وجّه الشيخ بيار الجميل في 25 آذار نداءه إلى الأمة، أعلن فيه أن الوطن في خطر، فالجيش مشتت والمؤسسات منحلّة والاقتصاد منهار والمرافق مهدّمة، ودعا جميع اللبنانيين إلى التكتل لنجدة لبنان والاتحاد ورصّ الصفوف لدرء الخطر، فيما أعلن الرئيس رشيد كرامي أن "الأمور فلتت"، ولم يبق بيد الحكومة شيء، والأزمة تتطور بسرعة مذهلة، رافضًا التعليق على مغادرة رئيس الجمهورية إلى كسروان.

حلّ ليل 25 آذار والتصعيد العسكري يتوسع بشكل هستيري، ما اضطر الرئيس كامل الأسعد صباح اليوم التالي لتأجيل الجلسة النيابية وراح الرئيس فرنجية يدرس احتمالات التدويل الذي عارضه الرئيس كرامي، وبحسب عدة تقارير صحافية سجل نهار الجمعة 26 آذار زوال كل معالم الدولة المادية بحيث بات على الحكم إذا عاد أن يبدأ من الصفر سياسيًا وعسكريًا وإداريًا وقضائيًا بعد سرقة وحرق وإتلاف محتويات مجلس النواب وقصر العدل وتخريب القصر الجمهوري.

السبت 27 آذار التقى كمال جنبلاط الرئيس السوري حافظ الأسد في جلسة استمرت لساعات، انتهت بخلاف كبير بينهما وقطيعة تحولت إلى عداء استمر ليوم اغتيال كمال جنبلاط.

زيارة دين براون الشهيرة

كانت خاتمة هذا الشهر المفصلي في الحرب اللبنانية زيارة المبعوث الأميركي دين براون: هذا اللغز الكبير الذي حتى اليوم لم تنكشف كل مهمته بعد.

في 28 آذار صرّح وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، أن سوريا تحاول أن تلعب دورًا مهدئًا في لبنان، وفي اليوم التالي، أعلن الناطق الرسمي باسم الخارجية الأميركية، أن الولايات المتحدة تؤيد الوساطة السورية في لبنان، وصرّح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية أن السفن والطائرات الأميركية جاهزة لإجلاء الرعايا الأميركيين عن لبنان إذا استمر تدهور الوضع، وأعلن الملك حسين ملك الأردن، أن المبادرة السورية عامل مساعد لحل الأزمة اللبنانية، ويبدو أنه كان انتهى من وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق السوري – الإسرائيلي لدخول الجيش السوري إلى لبنان فيما عرف بالخطوط الحمر.

الأربعاء 31 آذار، وصل إلى بيروت دين براون، وأعلن لدى وصوله أن الحكومة الأميركية تؤيد المبادرة السورية في لبنان، وأن مهمته هي التحرّي وجمع المعلومات بشكل يتيح للرئيس فورد أن يعرف ما يجري.

فيما الموفد الأميركي ما زال يفك حقائبه وقبل عقد أي لقاء معه، عقدت "الجبهة اللبنانية" اجتماعًا في مقر الرئيس فرنجية في الكفور بحثت خلاله الطلب لعقد جلسة لمجلس الأمن لبحث المؤامرة على لبنان، وبعد الاجتماع أعلن الرئيس شمعون أن الوقت حان لكي تنظر الأمم المتحدة جديًا في المسألة اللبنانية لمعرفة الواقع المرير الذي يعيشه لبنان، فيما أكد الشيخ بيار الجميل أن "الجبهة اللبنانية" تحاول إنقاذ البلد، وانتقد تصرفات المنظمات الفلسطينية التي أوصلت لبنان الذي استضاف الشعب الفلسطيني إلى ما وصل إليه

سارع الرئيس رشيد كرامي للرد رافضًا أي فكرة لدعوة مجلس الأمن الدولي للانعقاد معتبرًا ما يجري في لبنان نزاعًا داخليًا، ومن ألمانيا الغربية، أعلن الرئيس السادات معارضة مصر أي تدخل خارجي في لبنان محبذًا حلًّا عربيًا وعدم معارضته أي مبادرة أميركية أو أوروبية، ووجهت فرنسا من جهتها من خلال الناطق بلسان حكومتها في 31 آذار نداءً الى جميع الأطراف لوقف إطلاق النار دون التوسع أكثر.

في الأول من نيسان وفيما كان براون مجتمعًا مع "الجبهة اللبنانية"، صدر بيان سوري هاجم كمال جنبلاط بعنف شديد دون أن يسميه، رافضًا إصرار بعض الفئات على استمرار القتال الطائفي الذي سيؤدي إلى التقسيم.

بالعودة إلى مهمة دين براون: قيل الكثير عن ذلك الاجتماع مع "الجبهة"، واصطدامه برئيس الجمهورية وأعضاء الجبهة، فما حقيقة ذاك الاصطدام؟ هناك عدة آراء وأقاويل:

بعض المتابعين اعتبروا أن مهمة براون الأساسية كانت محاولة تأمين الغطاء اللبناني لدخول الجيش السوري إلى لبنان، فيما اعتبر البعض الآخر أن هدف الزيارة إقناع القيادات المسيحية بالهجرة إلى كندا والولايات المتحدة ليتسنى إنشاء الدولة الفلسطينية على الأراضي اللبنانية فترتاح إسرائيل من الفلسطينيين.

هناك قيادات مسيحية يمينية لم تكن يومها في الصف الأول لم تقتنع بقصة الترحيل، التي تحدث عنها بعض قادة الصف الأول، ففي رأيها أن أميركا لم تكن بحاجة لإرسال أحد ما إلى لبنان بهذا الشكل لتأمين هجرة المسيحيين من لبنان إلى أميركا وكندا، فما كان على الإدارة الأميركية يومها إلا فتح باب الهجرة من سفاراتها فيغادر الشباب المسيحي وبمغادرة هؤلاء الشبان ينتهي الوجود المسيحي في لبنان في سنواتٍ قليلة.


لكنه اصطدم بالجبهة اللبنانية؟

يكون الرد: نعم حصل هذا الاصطدام وقد يكون ناتجًا عن سوء فهم مقصد حديث المبعوث الأميركي فانتفض قادة الموارنة معتبرين كلامه إهانة لكرامتهم ووجودهم وتاريخهم في هذا الشرق فأسمعوه كلامًا قاسيًا.


ما الهدف من الزيارة إذًا؟

في حديث مع الدكتور جورج سعاده بعد سنوات قال: خلال شهر آذار من ذاك العام، قصدت سوريا برفقة كريم بقرادوني ما بين 3 أو 4 مرات، وكانت معظم القيادات اللبنانية تقصد دمشق لإيجاد حل للأزمة اللبنانية من خلال تعديل الدستور لانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل 6 أشهر من انتهاء الولاية الرئاسية، وفي قناعة الجميع تقريبًا أنه مع هذا الانتخاب ستبدأ مسيرة الحل، وخلال تلك الزيارات كنا نشعر أن المسؤولين في سوريا ينتظرون حدوث شيء ما يدعم مبادرتهم في لبنان: لم نستطع تحديد ماذا ينتظرون أو من ينتظرون، إلى أن وصل دين براون ليقول للمسيحيين إن لا أمل لكم إلا بالتنسيق مع الحكم في سوريا، ولا ننسى أنه في الأسبوع الأخير من شهر آذار، حدث تطور بارز مع وصول جوزف أبو خليل إلى تل أبيب في أول اتصال مسيحي بالدولة الاسرائيلية بهذا الحجم، ومن المؤكد أن الإدارة الأميركية عرفت بهذه الزيارة، فأرادت التأكيد أنها تدعم الوجود السوري في لبنان، لذلك وصل دين براون في محاولة لتأمين الشرعية والغطاء الرسمي والشعبي للتدخل السوري في لبنان.

في 22 نيسان صرّح دين براون وهو يغادر بيروت، بعد أن أنهى مهمته بأنه يستحيل على أي فريق تأمين انتصار عسكري على الفريق الآخر ولبنان لن يدور في فلك سوريا أو يصبح دولة مواجهة ضد إسرائيل وما يحتاج إليه أهداف جديدة وإصلاح شامل وعدالة اجتماعية، وفي شهادته بعد انتهاء مهمته في الكونغرس لام الإدارة الأميركية التي لجمت التدخل السوري في لبنان إرضاءً لإسرائيل، فبحسب الصحف المحلية الصادرة ما بين الثلثاء 22 حزيران 1976 والجمعة 25 منه: خلال شهادته أمام اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، أوضح أنه من الصعب أن يكون هناك أمل للبنان إذا لم يتم التوصل إلى تسوية شاملة في الشرق الأوسط. وتابع: أعتقد أن السوريين مصرون على إقامة دولة مستقرة وقادرة على حكم نفسها في لبنان وهم يتدخلون الآن بكثافة في لبنان وهذا أمر جيد وإيجابي جدًّا.

تعليقًا على هذا الزيارة، قال يومًا الآباتي شربل قسيس: كان دين براون يشعر بالأمان خلال تجوله في بيروت الغربية بحماية أمن "فتح" أكثر من مناطقنا، حيث كان حذرًا جدًا وخائفًا في تنقلاته.

تابع: مما كان يخاف خلال تجوله في المناطق التي بقيت تحت سلطة الشرعية؟

ستبقى زيارة دين بروان إلى لبنان يومها سرًّا من أسرار الحرب اللبنانية تحاك حولها القصص والروايات وأما الرواية الحقيقية ففي ملفات الخارجية الأميركية التي قد يأتي وقت ويتم نفض الغبار الكامل عنها.